بعد ثلاثة أيام من الصمت، خرج مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أمس الجمعة، بأول تعليق رسمي على إعلان دونالد ترامب وقف المعونة العسكرية الأمريكية السنوية بنهاية العام.
لم يعترض نتنياهو على قطع شريان ضخّ لتل أبيب أكثر من 300 مليار دولار منذ تأسيسها، بل واحتفى بالقرار واصفًا إياه بـ"الانتقال من المساعدات إلى الشراكة". وهو موقف تقاطع مع مسارعة منظمة "أيباك" المؤيدة لإسرائيل إلى دعم المفاوضات الجارية على اتفاقية بديلة، رغم ما نقلته هيئة البث الإسرائيلية عن دهشة سادت وزارة الدفاع وقيادة الجيش من القرار المباغت.
يعود هذا التباين بين ترحيب الساسة ودهشة العسكريين إلى أن وزارة الدفاع الإسرائيلية كانت قد أعلنت منذ مايو الماضي بدء مفاوضات رسمية مع واشنطن لانتقال تدريجي نحو "شراكة متبادلة"، وهو مسار طمأنها إليه ترامب الثلاثاء بتعهده أن بلاده "ستساعد إسرائيل إذا احتاجت إلى ذلك". غير أن تبكير القطع لنهاية العام يقتطع فجأة عامين من الاتفاقية السارية حتى 2028 بقيمة 3.8 مليار دولار سنويًا، قبل توقيع البديل.
تفسر بنود هذه الاتفاقية العشرية (2019-2028)، البالغة 38 مليار دولار، سر تقاطع المصالح حول بديلها؛ كونها نصّت منذ إبرامها على تقليص الميزة التي سمحت لإسرائيل بإنفاق نحو 25% من أموال المنحة بمصانعها المحلية تدريجيًا حتى تتلاشى بحلول 2028. وبفعل هذا الشرط، تحولت المعونة عمليًا إلى دعم مباشر لكبرى شركات السلاح الأمريكية بدلًا من المصانع الإسرائيلية، وفق دراسة لمعهد "كوينسي" بواشنطن.
وأمام هذا الاعتماد المتبادل، يلغي إيقاف الـ3.8 مليار دولار مبكرًا مصدر تمويل رئيسي لمشتريات إسرائيل من المصنّعين الأمريكيين، بحسب محامية الأمن القومي الأمريكي والزميلة في مركز القدس لشؤون الأمن والشؤون الخارجية، إيرينا تسوكرمان، التي توضح لـ"واقع مصر"، أن خسارة هذا المورد تدفع الشركات الأمريكية لطلب عقود بديلة تحفظ تشغيل خطوطها عبر مشتريات وزارة الدفاع "البنتاجون"، خصوصًا بالدفاع الصاروخي.
وتزداد وطأة المأزق لأن عقود السلاح التي أبرمتها إسرائيل يمتد سدادها لما بعد 2028، كما تنبه تسوكرمان، ما يُلزم تل أبيب بتدبير تمويل بديل ويدفع الشركات لطلب إعادة جدولة الدفعات حفظًا للعقود.
حجم هذه الفاتورة كشفته وثيقة للخارجية الأمريكية الخميس، مقدرةً التزامات التسلح التي ستحتاج إسرائيل لتمويلها بعد 2028 بنحو 10 مليارات دولار، بينها سرب يضم 25 مقاتلة "إف-35". وهو عبء يحلّ على تل أبيب بعدما رفعت الحروب إنفاقها العسكري إلى قرابة 7% من الناتج المحلي، متجاوزةً كل دول "الناتو"، وفق ما تذكره "يديعوت أحرونوت".
لسدّ هذه الفجوة، اتجه مشرعون مؤيدون لإسرائيل إلى نقل الدعم نحو ميزانية المشتريات الداخلية للبنتاجون، عبر إدراج "مبادرة التعاون التكنولوجي الدفاعي" ضمن "المادة 219" بقانون ميزانية الدفاع لعام 2027 البالغ 1.15 تريليون دولار، والتي أجاز مجلس النواب نسختها الأولية في يوليو بفارق ضئيل (216 مقابل 212 صوتًا)، متضمنةً 750 مليون دولار للبرامج المشتركة.
تستحدث هذه المادة منصب مسؤول تنفيذي بالبنتاجون يملك صلاحية تخطي اعتراضات أفرع الجيش الأمريكي لتسريع دمج التقنيات الإسرائيلية بالذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التشغيل، في خطوة وصفها الباحث بمعهد "كوينسي"، بن فريمان، بأنها "دمج للقاعدتين الصناعيتين الدفاعيتين الأمريكية والإسرائيلية".
هذا الدمج يُترجم عبر اتفاقيات ترخيص متبادلة، توضح تسوكرمان، في حديثها لـ"واقع مصر"، أنها تسمح للشركات الأمريكية بتصنيع صواريخ الاعتراض ومضادات المسيّرات الإسرائيلية داخل أمريكا، مقابل تمويل أبحاث الشركات الإسرائيلية وفتح خطوط الإنتاج الأمريكية أمامها.
وبذلك يخدم المسار خطة الحكومة الإسرائيلية لتوسيع الصادرات وتقليص الاعتماد على المنح، بتمكين شركتَي السلاح الحكوميتين "رافائيل" (مصنّعة القبة الحديدية) و"الصناعات الجوية الإسرائيلية" من عقود أمريكية إضافية، رهن حسم ملكية التكنولوجيا وأماكن التصنيع وحق التصدير لدول ثالثة.
وإلى جانب العائد المالي، يتيح هذا التحول لتل أبيب تفادي القيود الحقوقية المفروضة على المساعدات الخارجية، والتي تحظر تسليح الوحدات المتورطة في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان أو عرقلة الإغاثة. وفي المقابل، تُبرم عقود البنتاجون وفق معايير الكفاءة العسكرية وحدها بعيدًا عن لجان السياسة الخارجية، ما يمنح واشنطن مظهر إنهاء المنح المباشرة مع استبدالها بدعم أقل شفافية، بحسب منظمة "جي ستريت" الليبرالية الأمريكية.
غير أن نقل هذا التعاون لموازنة البنتاجون استنفر تقاطعًا برلمانيًا نادرًا؛ سماه الباحث بمعهد واشنطن، ديفيد ماكوفسكي، "سياسة حدوة الفرس"؛ حيث يلتقي يمين الجمهوريين ويسار الديمقراطيين على تقييد دعم إسرائيل. وقد ظهر ذلك حين قدم الجمهوري توماس ماسي والديمقراطي رو خانا تعديلًا مشتركًا لشطب "المادة 219"، قبل أن يصوّت ماسي و6 جمهوريين ضد القانون واصفًا المادة بأنها "خيانة لسيادتنا".
هذا الاعتراض الجمهوري يتسع بفعل موقف نائب الرئيس جي دي فانس المناهض للإنفاق الخارجي، والذي ترى تسوكرمان لـ"واقع مصر"، أنه يحرج الإدارة أمام قاعدة تيار "أمريكا أولًا" (ماجا). وتحذر من غضب هؤلاء الناخبين إذا خفّض الكونجرس المساعدات علنًا، ثم زاد نفقات البنتاجون لبرامج تفيد إسرائيل.
تتضاعف حساسية التحفظ الجمهوري مع ضيق الوقت لحسم القانون نهائيًا بين مجلسي الكونجرس قبل انتهاء ولايته مطلع يناير، وسط ترجيح محلل الصناعات الدفاعية بمؤسسة "تي دي كاون"، رومان شفايتزر، تأجيل إقرار قانون الدفاع ومخصصات البنتاجون لمطلع 2027. ويتزامن ذلك مع تعهد الديمقراطية روزا ديلاورو، الرئيسة المرتقبة للجنة الميزانية (الاعتمادات) بالنواب، باسترداد المليارات التي مررها الجمهوريون منفردين للبنتاجون خارج اللجنة.
ومع انتقال رئاسة اللجان للديمقراطيين في الثالث من يناير، تخضع المخصصات لمراجعة حزب أظهر استطلاع "بيو" أن 8 من كل 10 من ناخبيه ينظرون بسلبية لإسرائيل.
ورغم افتقار الديمقراطيين لأغلبية الثلثين لتخطي حق النقض الرئاسي "الفيتو"، تبرز الباحثة بمؤسسة "كارنيجي"، جينيفر هندريكسون وايت، قدرتهم على غلق الالتفاف المالي للإدارة واستعادة سلطة التحكم بالميزانية عبر ربط التمويل بشروط رقابية ومذكرات استدعاء.
وحتى لو لجأت تل أبيب لشراء السلاح الأمريكي من مالها الخاص لتعويض المنحة، تظل تلك الصفقات خاضعة لرقابة الكونجرس، وفق "إسرائيل هيوم". وهنا ترجح وايت اتجاه لجان العلاقات الخارجية لفرض شروط على مبيعات السلاح، وتفعيل التصويت السريع بالأغلبية البسيطة بالشيوخ لتعطيلها.
وفي جلسات الاستماع المرتقبة، ستمتد الرقابة إلى فحص المواصفات الفنية لعقود البنتاجون، بحسب تسوكرمان، للتحقق من استخدام الجيش الأمريكي لتلك الأسلحة فعليًا لا تصنيعها أساسًا لإسرائيل، بجانب التثبت من احتفاظ البنتاجون بملكية التكنولوجيا الممولة حكوميًا.
وعلى ضوء هذا التدقيق، تتوقع تسوكرمان أن تحظى منظومات الدفاع الصاروخي التي تحمي القوات الأمريكية بالخارج وتوفر وظائف محلية، بدعم الحزبين. ذلك بفعل الحاجة لصدّ الصواريخ والمسيّرات الإيرانية.
بينما ستواجه البرامج المصممة لتعويض مشتريات إسرائيل مقاومة أشد من الرافضين للإنفاق الخارجي. وعليه، لا ينهي قرار ترامب التمويل العسكري لإسرائيل بقدر ما ينقله من المنح المضمونة إلى العقود المشروطة.
كما لم يعد توافق البيت الأبيض ومصالح شركات السلاح كافيين وحدهما لتأمين فجوة العشرة مليارات دولار، بعدما بات كل عقد بالبنتاجون رهن حسم ملكية التكنولوجيا، وتفادي غضب قاعدة "ماجا"، واجتياز تفتيش اللجان الديمقراطية في يناير.
وبين العامين المقتطعين من المعونة والأسابيع الفاصلة عن انعقاد الكونجرس الجديد، يبقى السؤال: هل تنجح "الشراكة" البديلة في تحصين تسليح إسرائيل داخل خزائن البنتاجون، أم تقيده بشروط لم تعرفها تل أبيب بعهد المساعدات المفتوحة؟