في القرى التي تتكئ بيوتها على سفوح الجبال، وتمتد زراعاتها حتى تلامس الظهير الصحراوي، تبدأ الحكاية مع شروق الشمس، حين يخرج المزارعون إلى حقولهم، ويتوجه العمال إلى مزارع الدواجن، بينما يسلك الأطفال والطلاب الطرق نفسها التي يعرفها الكبار منذ سنوات.
حياة تبدو عادية في تفاصيلها، لكنها تحمل حسابات إضافية لا يعرفها كثيرون ممن يعيشون بعيدًا عن الجبال، حيث لا تنتهي حدود القرية عند آخر منزل، ولا تنفصل الأرض الزراعية عن المساحات الصحراوية المحيطة بها.
طرق ترابية تتخلل الزراعات، ومناطق مفتوحة تمتد إلى الجبال، ومزارع تتناثر على أطراف التجمعات السكنية، تجعل الاحتكاك بالحياة البرية احتمالًا حاضرًا في أذهان الأهالي، حتى إن لم يتكرر كل يوم، ومع حلول المساء تتغير حسابات الحركة في بعض المناطق، فالمسافة التي يقطعها المزارع نهارًا دون تفكير قد تصبح أكثر إثارة للقلق ليلًا، خصوصًا عندما تكون الطريق محاطة بزراعات كثيفة أو مساحات مفتوحة يصعب رصد ما يتحرك فيها.
ومن الصوامعة شرق والسلاموني والأحايوة شرق بمركز أخميم، إلى الجلاوية بساقلتة، وأولاد يحيى بدار السلام، والطوالب وحاجر مشطا وعمارة بطهطا، ونزلة علي بجهينة، والمحاسبة وبيت داوود وبيت علام بجرجا، وصولًا إلى الغابات والغنيمية بالبلينا، تتعدد القرى التي يطرح قربها من المناطق الجبلية تساؤلات عن طبيعة الحياة بجوار الحيوانات المفترسة، وحدود قدرة الأهالي على حماية أنفسهم ومواشيهم.
في المنطقة الواقعة بين نجع الملاقط ونجع عميرة بقرية الصوامعة شرق التابعة لمركز أخميم، لم يكن المشهد أمس الخميس هذه المرة داخل حقل بعيد أو على طريق صحراوي خالٍ، بل أمام منزل، وفي وقت العصر، بينما كانت سيدتان تجلسان بالقرب منه.
ظهر ذئب بصورة مفاجئة، وانقض على السيدتين، متسببًا في إصابتهما بالعقر، قبل نقلهما إلى المستشفى لتلقي العلاج اللازم، وفي دقائق انتقل المشهد من جلسة عادية أمام المنزل إلى حالة استنفار بين الأهالي، الذين تحركوا لملاحقة الحيوان خشية تعرض آخرين للأذى.
وتحولت المطاردة إلى مواجهة شارك فيها عدد من شباب القرية، الذين طاردوا الذئب واعتدوا عليه بالعصي والشوم حتى تمكنوا من قتله، لتنتهي الواقعة، لكن مشاهدها أعادت إلى الأذهان مخاوف قديمة لدى سكان القرى القريبة من الجبال.
ففي هذه المناطق، لا ينظر إلى ظهور الذئب باعتباره مجرد مشهد عابر لحيوان بري، بل باعتباره خطرًا محتملًا، خاصة عندما يقترب من المنازل أو يتحرك في الأماكن التي يستخدمها الأهالي يوميًا.
يقول سعد غزالي، أحد أهالي قرية الصوامعة شرق ومعلم بالقرية، إن مشاهدة الذئاب ليست أمرًا جديدًا على السكان، موضحًا أن الأهالي اعتادوا رؤيتها في المناطق المحيطة بالقرية، كما أصبحت تلك الحيوانات تظهر بصورة متكررة في محيط وجود البشر، مضيفًا أن بداية فصل الصيف تشهد نضج محاصيل الشمام والكنتالوب والعجور وغيرها من المحاصيل التي تتميز بروائح تجذب الحيوانات إلى المناطق الزراعية، وهو ما يجعل المزارعين أكثر انتباهًا لما قد يظهر على أطراف الحقول وبين الزراعات.
ولا يتوقف الأمر، بحسب روايته عند المحاصيل الزراعية إذ تنتشر مزارع تربية الدواجن في المناطق الجبلية المحيطة بالقرية، ومع إلقاء الطيور النافقة في بعض الأماكن المكشوفة، تتوافر مصادر غذاء قد تجذب الذئاب إلى محيط المزارع.
ويرى "غزالي" أن وجود هذه المصادر قد يساعد على تفسير اقتراب الذئاب من بعض المناطق، لكنه لا يلغي خطورة ظهورها بالقرب من المنازل، خاصة إذا اعتادت الاقتراب من التجمعات السكنية بحثًا عن الطعام، مشيرًا إلى أن قرية السلاموني المجاورة، التابعة لمركز أخميم أيضًا، شهدت قبل نحو ستة أشهر واقعة هجوم ذئب على أحد المواطنين وإصابته بالعقر، في مشهد يؤكد أن القلق لا يقتصر على قرية واحدة، بل يمتد إلى تجمعات سكنية متجاورة تشترك في طبيعتها الجغرافية.
وبحكم التجربة أصبح كثير من الأهالي أكثر انتباهًا عند رؤية الذئاب في الطرقات أو بالظهير الصحراوي، لكن المعرفة بطبيعة المنطقة لا تعني أن المواجهة آمنة، أو أن كل ظهور لحيوان مفترس يمكن التعامل معه بالطريقة نفسها.
ولا ترتبط المخاوف في القرى الجبلية باحتمال تعرض الإنسان للهجوم فقط، إذ تمتد إلى الحيوانات التي تمثل مصدر رزق لأسر كثيرة، خصوصًا الأغنام والماعز التي يربيها الأهالي بالقرب من منازلهم أو في الحظائر المحيطة بالزراعات.
ففي قرية الجريدات التابعة لمركز طهطا شمالي سوهاج، شهدت المنطقة خلال الفترة الماضية وقائع عقر طالت عشرات الحيوانات من الأغنام والماعز، وأسفرت عن نفوق بعضها وإصابة أخرى، ما تسبب في خسائر لأصحابها، وأعاد المخاوف من تحرك الذئاب بالقرب من أماكن تربية المواشي.
وتبدو هذه الوقائع أكثر تأثيرًا على الأسر التي تعتمد على تربية الحيوانات باعتبارها مصدر دخل أو مدخرات تواجه بها أعباء المعيشة، ففقدان رأس ماشية لا يعني مجرد خسارة حيوان، بل قد يمثل ضياع جزء من حصيلة شهور من العمل والإنفاق.
ومع تكرار الوقائع، يصبح تأمين الحظائر والانتباه إلى الحيوانات ليلًا جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، بينما يظل السؤال قائمًا بشأن كيفية الحد من اقتراب الحيوانات المفترسة من المنازل ومصادر الرزق.
ففي عام 2019 عاشت قرى الشوكا والحما والهرامسة المتجاورة بمركز طما شمالي محافظة سوهاج، حالة من الرعب عقب هجمات لعدد من الذئاب، التي ظهرت في الطرقات الممتدة وسط الزراعات، وتسببت في إصابة أكثر من 10 مواطنين بالعقر، وفق الوقائع المتداولة آنذاك.
ويقول محمد السيد من قرية الشوكا، لم تعد المخاوف مقتصرة على المزارعين الذين يتحركون داخل الحقول، بل امتدت إلى السكان الذين فوجئوا بظهور الحيوانات في الطرق التي يستخدمونها للوصول إلى منازلهم وأعمالهم، مضيفًا أنه في قرية الشوكا، تحرك عدد من الشباب لملاحقة الذئاب، وتمكنوا من قتل ذئبين في شوارع القرية، في مواجهة جسدت حالة الاستنفار التي يمكن أن تشهدها التجمعات السكنية عندما يشعر الأهالي بأن الخطر أصبح قريبًا من أبوابهم.
لكن أخطر الوقائع التي شهدتها المحافظة تعود إلى أغسطس عام 2018، عندما هاجم ذئب أحد المزارعين بقرية أولاد يحيى بحري التابعة لمركز دار السلام بمحافظة سوهاج، حيث يقول إبراهيم عبدالرحمن، أحد أهالي القرية أنه خرج الذئب للمزارع من زراعات الموز المجاورة لحقل كان يعمل فيه، وهاجمه متسببًا في إصابات متهتكة باليدين والرقبة والصدر، قبل أن يفارق الحياة متأثرًا بإصاباته.
وتكشف هذه الواقعة عن الوجه الأكثر قسوة للمخاطر التي قد تنجم عن الاحتكاك بالحيوانات المفترسة، خصوصًا عندما يقع الهجوم داخل أرض زراعية بعيدة عن التجمعات السكنية، حيث قد يصعب طلب المساعدة في اللحظات الأولى.
بالنسبة لسكان هذه القرى، لا يعني التعايش مع وجود الذئاب التوقف عن الذهاب إلى الحقول أو إغلاق المنازل والابتعاد عن الأراضي الزراعية، فهذه الأماكن جزء من حياتهم ومصادر رزقهم، ولا يمكن الاستغناء عنها بسهولة، لكن التجارب السابقة تدفعهم إلى زيادة الحذر عند التحرك في المناطق المفتوحة، والانتباه إلى الحيوانات والمواشي، وتجنب التعامل الفردي مع الحيوان المفترس عند ظهوره، مع الاستعانة بالجهات المختصة للتعامل مع المواقف التي تشكل خطرًا على السكان.