وصل الدكتور نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، إلى العاصمة السودانية الخرطوم، الاثنين، في أول زيارة له إلى السودان منذ توليه مهام منصبه في الأول من يوليو الماضي، لبحث تطورات الحرب وسبل وقف القتال ودعم الحوار الوطني، في وقت تدخل فيه المواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع عامها الرابع، وسط أوضاع إنسانية بالغة الصعوبة.
وتأتي زيارة فهمي بعد تحركات دبلوماسية شملت عددًا من الملفات العربية، من بينها القضية الفلسطينية، التي أعرب الأمين العام عن رغبته في زيارتها منذ بداية توليه مهامه، قبل أن تتعذر الزيارة، إلى جانب زيارتي الكويت ولبنان، وصولًا إلى الخرطوم، في مسار يعكس تعدد الملفات المطروحة على أجندة الجامعة العربية وضرورة تعزيز التواصل المباشر مع الدول المعنية بالأزمات.
ويأتي التحرك كذلك في سياق الجهود العربية الرامية إلى تفعيل قرارات مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، وتعزيز التنسيق بين الدول الأعضاء بشأن القضايا التي تمس أمن المنطقة واستقرارها، لا سيما مع استمرار الحرب السودانية وتعدد المبادرات الإقليمية والدولية المطروحة لإنهائها.
وتحمل زيارة الخرطوم أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الأزمة السودانية، التي لم تعد تقتصر تداعياتها على المواجهات العسكرية، بل امتدت إلى تدهور الأوضاع الإنسانية واتساع نطاق النزوح والاحتياجات الأساسية، فضلًا عن التحديات المرتبطة بمستقبل الدولة ومؤسساتها وإمكانية التوصل إلى تسوية سياسية مقبولة لدى السودانيين.
وكان في استقبال الأمين العام لجامعة الدول العربية لدى وصوله إلى الخرطوم وزير الخارجية والتعاون الدولي السوداني، السفير محيي الدين سالم أحمد، وعدد من المسؤولين السودانيين، في زيارة تستهدف تعزيز التواصل والتشاور بشأن تطورات الأوضاع في البلاد، وسبل دعم الأمن والاستقرار والحفاظ على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه.
واستهل فهمي لقاءاته في الخرطوم باجتماعات مع كبار المسؤولين السودانيين، شملت الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي، ورئيس الوزراء كامل إدريس، إلى جانب لجنة تهيئة الحوار السوداني وعدد من ممثلي القوى السياسية، لبحث مسارات التعامل مع الأزمة ودعم جهود وقف الحرب.
وخلال لقائه البرهان بالقصر الجمهوري، أكد فهمي أن السودان يمثل أهمية خاصة في الوطن العربي، مشيرًا إلى أدواره في دعم القضايا العربية، ومشددًا على التزام الجامعة العربية بمساندة سيادة السودان ووحدة أراضيه وصون مؤسساته الوطنية.
وأوضح الأمين العام، أن زيارته تأتي في إطار الاهتمام العربي بالقضية السودانية وضرورة معالجتها، مؤكدًا استمرار جهود الجامعة لتحقيق السلام والاستقرار ودعم إعادة الإعمار، استنادًا إلى القرارات الصادرة عن المجالس الوزارية العربية وعلى مستوى القمة.
ويعكس هذا الموقف تركيز الجامعة العربية على الحفاظ على الدولة السودانية ومؤسساتها الوطنية، بالتوازي مع التحرك من أجل إنهاء القتال، في ظل المخاوف من أن يؤدي استمرار الحرب إلى تعميق الانقسامات السياسية والمجتمعية، وإطالة أمد المعاناة الإنسانية.
وفي لقائه رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، بحث فهمي سبل دعم جهود السلام ومسار الحوار الوطني، إلى جانب المبادرة السودانية المقدمة إلى مجلس الأمن الدولي في ديسمبر 2025.
وجدد الأمين العام ترحيب الجامعة العربية بالمبادرة، مؤكدًا أهمية البناء عليها ضمن الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب ومعالجة الأزمة، والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة بقيادة وملكية سودانية.
ويكتسب هذا المسار أهمية في ظل تعدد المبادرات المطروحة للتعامل مع الحرب، والحاجة إلى تنسيق الجهود العربية والدولية بما يساعد على توفير أرضية سياسية لإنهاء الصراع، مع الحفاظ على حق السودانيين في تحديد مستقبل بلادهم.
وفي قراءة لدلالات التحرك العربي، يرى مكي المغربي، مدير وحدة العلاقات الدولية بالمركز السوداني للفكر والدراسات الاستراتيجية، أن دور جامعة الدول العربية مطلوب في التعامل مع الأزمة السودانية ودعم الحوار السوداني–السوداني.
وقال المغربي، في تصريحات لـ "واقع مصر" ، إن الدعم المباشر من الجامعة العربية للسودان ربما يدفع إلى حلول فعلية على الأرض، مشيرًا إلى أن الجامعة تستطيع حشد الجهود نحو موقف عربي موحد داعم للشرعية في السودان ورافض لمحاولات المساس بسيادته.
وشدد المغربي على أن مواقف الجامعة العربية بشأن وحدة السودان وسلامة أراضيه واضحة، مؤكدًا رفض التعامل مع أي كيانات موازية للدولة السودانية.
وتسلط هذه الرؤية الضوء على أحد الملفات الأساسية التي تواجه التحرك العربي، وهو كيفية تحويل المواقف المعلنة بشأن وحدة السودان وسيادته إلى دعم سياسي ودبلوماسي أكثر فاعلية، بالتوازي مع مساندة المسارات التي يمكن أن تفضي إلى وقف الحرب واستعادة الاستقرار.
وفي محطة أخرى من زيارته، التقى الأمين العام لجنة تهيئة الحوار السوداني وعددًا من ممثلي القوى السياسية، لبحث سبل دعم الحوار الوطني الشامل ودور الجامعة العربية في المرحلة المقبلة.
وأكد فهمي انفتاح الجامعة على الاستماع إلى رؤى المسؤولين السودانيين وأعضاء اللجنة بشأن إرساء السلام واستعادة الأوضاع في البلاد، مشددًا على أهمية أن يكون الحوار سودانيًا خالصًا، وأن يجري داخل السودان، بما يتيح للسودانيين قيادة الجهود الرامية إلى معالجة الأزمة وتحقيق الاستقرار.
وقال فهمي، خلال لقائه لجنة الحوار، إن الجامعة العربية مستعدة لتقديم الدعم المطلوب في مراحل محددة، داعيًا إلى إعداد خطة عمل جادة تتضمن خطوات وموضوعات محددة لإنجاز الحوار تدريجيًا، بما يعزز ثقة المواطنين والقوى السياسية في جدوى العملية الحوارية.
من جانبه، قال الناطق باسم لجنة الحوار السوداني–السوداني، عثمان ميرغني، إن اللجنة طلبت من فهمي أن تكون الجامعة العربية إحدى الجهات الإقليمية والدولية الداعمة للحوار، وأن تسهم من خلال اتصالاتها الخارجية في تهيئة البيئة المساندة له.
وأضاف أن الأمين العام قدم مقترحات لتعزيز دعم الحوار، ستنظر فيها لجنة تهيئة الحوار، معربًا عن أمله في أن تسهم الجامعة في معالجة القضايا السودانية.
ويواجه مسار الحوار تحديات تتعلق بمدى مشاركة القوى السياسية المختلفة، وقدرتها على التوافق بشأن ترتيبات العملية السياسية ومخرجاتها.
كما تبرز تساؤلات حول كيفية ضمان شمول الحوار للقوى السودانية المختلفة، بما يسمح بالتوصل إلى تفاهمات أوسع بشأن مستقبل البلاد.
ومن هنا، فإن تأكيد الجامعة العربية ضرورة إجراء الحوار داخل السودان وبقيادة سودانية يضع العملية السياسية أمام اختبار يتعلق بقدرتها على جمع الأطراف المختلفة حول مسار وطني، من دون أن يتحول الحوار إلى إطار لا يعكس التباينات الحقيقية في المواقف السياسية السودانية.
ومن جانبها، ترى الكاتبة الصحفية المتخصصة في الشأن السوداني أسماء الحسيني أن زيارة نبيل فهمي تحمل دلالات مهمة، باعتبارها أول زيارة له إلى السودان منذ توليه مهام منصبه، وتعكس أولوية الأزمة السودانية في أجندة الأمين العام وجامعة الدول العربية.
وتقول الحسيني- خلال تصريحات لـ “واقع مصر” - إن الزيارة تأتي في ظل وضع بالغ الصعوبة، مع استمرار الحرب وتواصل الأوضاع الإنسانية الكارثية التي تهدد حياة ملايين السودانيين، بالتزامن مع تعقد الأزمة وتزايد التدخلات الإقليمية والدولية.
وتضيف أن التحرك يعكس إدراكًا لحجم المخاطر التي يتعرض لها السودان، بوصفه دولة عربية كبيرة ومهمة، ومحاولة لدعم الجهود الرامية إلى إنقاذه في هذه المرحلة الصعبة وصون وحدته شعبًا وأرضًا.
وتشير الحسيني إلى أن تصريحات الأمين العام في الخرطوم تؤكد استمرار الجامعة العربية في بذل جهودها بالتنسيق مع الدول العربية والمجتمع الدولي والأطراف السودانية، من أجل دعم الحوار والعمل على وقف الحرب والتوصل إلى تسوية سياسية تعالج تداعيات الصراع.
وترى أن اختيار الخرطوم وجهة للزيارة يمثل خطوة مهمة لإعادة تسليط الضوء على الأزمة السودانية، التي تراجع حضورها في الاهتمام الدولي، وعلى الأوضاع الإنسانية الكارثية التي يعيشها السودانيون، معتبرة أن الزيارة تحمل رسالة تضامن مع الشعب السوداني، ودعوة إلى الأطراف الإقليمية والدولية للتحرك بجدية من أجل وقف الحرب وبناء سلام حقيقي يحافظ على وحدة السودان وسيادته.
وتؤكد الحسيني أهمية البناء على الزيارة من خلال استمرار المساعي العربية لإنقاذ السودان من المخاطر التي يواجهها، مشيرة إلى أن الجامعة العربية تشارك في الآلية الخماسية المعنية بالأزمة، التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية «إيجاد»، إلى جانب الجامعة العربية.
وتبرز أهمية هذه الآلية في قدرتها على تنسيق الجهود بين المؤسسات الإقليمية والدولية، وتجنب تضارب المبادرات، بما يساعد على توفير مسار سياسي أكثر اتساقًا للتعامل مع الأزمة السودانية.
وتضع زيارة نبيل فهمي إلى الخرطوم التحرك العربي أمام مرحلة تتطلب متابعة نتائج اللقاءات السياسية، والبناء على ما جرى بحثه مع رئيس مجلس السيادة ورئيس الوزراء ولجنة تهيئة الحوار والقوى السياسية.
فدعم وحدة السودان وسيادته يمثل موقفًا عربيًا معلنًا، لكن التحدي يتمثل في قدرة التحركات الدبلوماسية على الإسهام في وقف القتال، وتحسين الأوضاع الإنسانية، وتهيئة الظروف أمام حوار وطني يمكن أن يفضي إلى تسوية سياسية شاملة.
وفي ظل تعدد المبادرات الإقليمية والدولية، تظل الحاجة قائمة إلى تنسيق الجهود وتحديد مسارات واضحة للتحرك، مع مراعاة تعقيدات الأزمة ومواقف الأطراف السودانية المختلفة، بما يضمن أن يكون الحل نابعًا من إرادة السودانيين أنفسهم.
وبين لقاءات الخرطوم ودعوات الخبراء إلى تعزيز الدور العربي، تتوقف أهمية الزيارة في المرحلة المقبلة على ما يمكن أن تفتحه من فرص لمواصلة الحوار والتنسيق، ودعم الجهود الرامية إلى وقف الحرب، والحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية، ووضع حد لمعاناة ملايين المدنيين، وفتح الطريق أمام سلام مستدام يحفظ للسودان وحدته وسيادته.