رئيس مجلس الادارة م / محمود سيد عبد المولى
إعلان
مساحة إعلانية مميزة - تواصل معنا للإعلان
إعلان
مساحة إعلانية مميزة - تواصل معنا للإعلان
عاجل
إعلان
مساحة إعلانية مميزة - للإعلان لدينا اتصل بنا

الطبقة الوسطى ميزان المجتمع

محرر واقع مصر المصري اليوم - الخلاصات 26 أكتوبر, 2026
الطبقة الوسطى ميزان المجتمع
4 مشاهدات

فى أكثر من حوار أجريته، تكرر التحذير نفسه، تآكل الطبقة المتوسطة فى مصر ليس أزمة تخص أصحاب الدخول المتوسطة وحدهم، بل خطر يطول المجتمع كله. سمعت هذا القلق، وإن اختلفت زوايا التعبير عنه، من الدكتور محمد ابو الغار ومنير فخرى عبد النور وغيرهما فى البودكاست الذى اقدمه «رؤية أخرى». ولم يكن المقصود مجرد تراجع القدرة على الشراء، بل انكماش طبقة أدت تاريخياً وظيفة تتجاوز حدودها الاقتصادية.

فالطبقة المتوسطة ليست رقم للدخل يمكن تحديده بحد أدنى وأعلى. قد يرتفع راتب أسرة، بينما تنحدر قدرتها على التعليم والعلاج والسكن والادخار. وقد يحتفظ الفرد بمهنته ومظهره الاجتماعى، لكنه يفقد القدرة على التخطيط للمستقبل. عندها يبقى فى الطبقة الوسطى بالاسم.

ما يميز هذه الطبقة هو مزيج من التعليم والعمل المهنى والطموح والقدرة على تأجيل الاستهلاك من أجل المستقبل. هى الأسرة التى تستثمر فى تعليم أبنائها، والموظف أو المدرس أو الطبيب أو المهندس أو الصحفى أو صاحب المشروع الصغير الذى يبنى مكانته على الكفاءة، لا على الثروة الموروثة أو الحماية الشخصية. لذلك ارتبط اتساعها تاريخياً بالحراك الاجتماعى، الإيمان بأن الدراسة والعمل يمكن أن ينقلا الإنسان إلى موقع أفضل.

ومن هنا يأتى دورها فى الاعتدال والاستقرار. فالطبقة الوسطى الواسعة تعمل جسر بين الأغنياء والفقراء، وتخفف انقسام المجتمع إلى قلة تملك كل شيء وأكثرية لا تملك ما تخسره. وهى غالباً أكثر حرصاً على القانون والاستقرار، لأنها بنت حياتها بالتدرج وتخشى الفوضى، لكنها فى الوقت نفسه تطالب بالإصلاح، لأنها تملك من التعليم والوعى ما يجعلها تدرك حقوقها وتنتظر أداء أفضل من الدولة.

كما تحمل جزء كبير من الذوق العام. ترعى المساحات التى يتكون فيها الحس المشترك، المدرسة الجيدة، والكتاب، والمسرح، والصحافة، والموسيقى، والنقابة، والنادى، والجمعية الأهلية. حين تكون هذه الطبقة قادرة على الإنفاق والاهتمام بما يتجاوز الضرورات، تزدهر الثقافة ويجد الإنتاج الجاد جمهوراً يحميه من الابتذال الكامل.

وهى كذلك عماد المجال المدنى. منها يأتى كثير من المعلمين والأطباء والمحامين والصحفيين والباحثين وأصحاب المبادرات. هؤلاء يشكلون المسافة الضرورية بين الفرد والدولة، نقابات وجمعيات وجامعات ومنابر قادرة على الحوار والاقتراح والاعتراض المنظم. وإذا ضعفت هذه المساحة، أصبح المواطن أكثر اعتماداً على السلطة أو السوق، وأقل قدرة على العمل الجماعى المستقل.

وفى المجال العام، تمثل هذه الطبقة جمهورًا يرفض التبسيط الكامل. وتناقش السياسات، وتستطيع التمييز بين المعارضة والفوضى، وبين تأييد الدولة والتسليم بكل ما تفعله. وجودها يمنح الحوار الوطنى قاعدة أكثر عقلانية.

لا ينبغى بالطبع تصوير الطبقة الوسطى باعتبارها كتلة مثالية، فهى متنوعة، وقد تكون محافظة أو خائفة أو منغلقة. لكن قيمتها تكمن فى اتساعها وتعددها، وفى قدرتها على إنتاج التوازن. لذلك فإن تآكلها لا يعنى انتقال عدد من الأسر إلى شريحة دخل أدنى فحسب، إنه اختلال فى ميزان المجتمع نفسه.

إعلان
مساحة إعلانية مميزة - للإعلان لدينا اتصل بنا