الوطنية المصرية فكرة حديثة، مثلها مثل أى فكرة وطنية فى العالم، فكلها تعود جذورُها إلى القرن التاسع عشر، ثم نضجت فى القرن العشرين. نشأت فكرة الوطنية كأداة عملية تلتف حولها الشعوب التى انفكت روابطها القديمة التى كانت تربطها بالإمبراطوريات القديمة التى تحلل بعضها مع الحرب العالمية الأولى ثم تحلل بعضها مع الحرب العالمية الثانية ثم دخل العالم فى مرحلة تفكيك الاستعمار، فنشأ عن كل ذلك دول بلغ عددها قريباً من مائتين ذات حدود وأعلام وأناشيد ومقاعد فى الأمم المتحدة.
عرفت مصر الفكرة الوطنية على مراحل ومن مصادر شتى وتجارب متعددة وأحداث كبرى. بدأت بالأفكار التى جاء بها المبتعثون الذين أرسلهم محمد على باشا لتلقى العلوم والأفكار والأنوار الحديثة من أوروبا ويمثل الشيخ رفاعة الطنطاوى باكورة الضمائر والعقول المصرية التى بشرت بفكرة الوطنية كإطار للعمل من أجل المصالح العامة وتحقيق السعادة المشتركة لكل المصريين وقد عاش الطهطاوى قريباً من ثلاثة أرباع قرن فرشت المسافة الزمنية من ١٨٠١ حتى ١٨٧٣ أى من عام جلاء الغزاة الفرنسيين حتى قبل مجىء الغزاة الانجليز بتسع سنوات، أى أن مسيرة الطهطاوى غطت من تاريخ مصر فترة ما بين الاحتلالين، وهى الفترة ذاتها التى شهدت موجة كاملة من صعود ثم هبوط مصر. صعودها مع محمد على باشا حتى صارت امبراطورية تبسط سلطانها على عشر أضعاف مساحتها فى أفريقيا وآسيا. ثم هبوطها من أواخر عهده ثم عهود الخديوية من بعده حتى عادت تحت الاحتلال الأوروبى المسلح ١٨٨٢. لكن هذا الاحتلال أنضج فى أقل من أربعين عاماً فكرة الوطنية كما لم تنضج من قبل. بين الاحتلال ١٨٨٢ وثورة ١٩١٩ اكتملت مفاتيح الفكرة الوطنية فى وعى المصريين. تبلورت فكرة الأمة المصرية سواء فى مواجهة ماضيها العثمانى المملوكى أو فى مواجهة حاضرها الذى تعانى فيه سيطرة أوروبية مدنية من أربع عشرة جنسية أوروبية، كما تعانى سيطرة بريطانية مسلحة على مقاليد البلاد مادياً وأدبياً.
فى تلك الأثناء - قبل مائة عام أو أكثر - كانت فكرة الوطنية جديدة على المصريين، تغنيهم عن ارتباطهم العاطفى بالعثمانية الآفلة، كما تشد أزرهم فى مواجهة الاستعمارية الأوروبية الجشعة، كما تصلب طولهم فى مواجهة الاستعلاء الذى يتوارثه عليهم الحكام من السلالة العلوية من حولهم من ذوات الأتراك والشركس ومن شابههم. كانت فكرة الوطنية - فى ذاك الوقت - محترمة وملهمة، أى غير مبتذلة، لأنها لم يكن قد تم توظيفها فى قمع المصريين وتزييف وعيهم واستغلالهم فى تمويل رفاهية الحكام ومن حولهم.