رئيس مجلس الادارة م / محمود سيد عبد المولى
إعلان
مساحة إعلانية مميزة - تواصل معنا للإعلان
إعلان
مساحة إعلانية مميزة - تواصل معنا للإعلان
عاجل
إعلان
مساحة إعلانية مميزة - للإعلان لدينا اتصل بنا

هل يملك الابن العفو عن أمه إذا قتلت أبناءه؟.. عالمة بالأزهر توضح ترد

محرر واقع مصر masrawy-aslamyat-262 06 نوفمبر, 2026
هل يملك الابن العفو عن أمه إذا قتلت أبناءه؟.. عالمة بالأزهر توضح ترد
4 مشاهدات

علقت الدكتورة روحية مصطفى، أستاذة ورئيس قسم الفقه الأسبق بجامعة الأزهر، على واقعة عفو ابن عن أمه المسنة المتهمة بقتل طفليه، بعد إعطائهما حقنة بمادة الكلور، لتجيب عن أسئلة مهمة راودت الكثير من المتابعين للجريمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

تقول أستاذة الفقه الإسلامي إن عفو الابن عن أمه المتهمة بقتل طفليه يثير مسألة فقهية دقيقة، تتعلق بحدود حق أولياء الدم في العفو، وأثر القرابة في القصاص، ومدى امتداد العفو إلى حقوق الآخرين، ولا سيما أم الطفلين، فضلًا عن حق المجتمع في معاقبة الجاني إذا ثبتت الجريمة.

وتوضح الدكتورة روحية مصطفى، في تصريحات لها عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك، أن الأصل المقرر في الشريعة الإسلامية أن دماء الناس معصومة، وأن القتل العمد من أعظم الكبائر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]. وقد شرع الله القصاص حمايةً للنفوس وردعًا للاعتداء عليها، فقال سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 179]، لكنه مع ذلك فتح باب العفو لأصحاب الحق، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178].

وتلفت الأستاذة بجامعة الأزهر إلى أن هذه المسألة تتضمن خصوصية لا يصح تجاوزها، وهي أن المتهمة بالقتل جدة الطفلين، وليست أجنبية عنهما. فهل تُقتل الجدة قصاصًا إذا قتلت حفيدها عمدًا؟

وتقول: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن الوالد لا يُقتص منه بقتل ولده، وألحقوا به الأم والأجداد والجدات، سواء كانوا من جهة الأب أو الأم، قريبين أو بعيدين، استنادًا إلى ما ورد في معنى حديث «لا يُقتل الوالد بولده». وبناءً على هذا القول لا يجب القصاص على الجدة إذا قتلت حفيدها، ولو ثبت القتل عمدًا، غير أن عدم القصاص لا يعني إباحة الجريمة أو سقوط ما يترتب عليها من إثم وضمان وعقوبة تعزيرية مشروعة.

أما المالكية فقد فصلوا في هذه المسألة، فذهبوا إلى وجوب القصاص من الأصل إذا ثبت تعمده القتل بصورة لا تحتمل قصد التأديب، كأن يضجع ولده فيذبحه أو يسقيه سما كما في واقعة السؤال ، بخلاف ما إذا وقع القتل على وجه يحتمل التأديب. وقد عرض ابن رشد هذا الخلاف في كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد، في كتاب القصاص، وبيّن مأخذ كل فريق.

ومن هنا - تقول د. روحية- يتبين أن مسألة القصاص من الجدة ليست على حكم واحد عند جميع الفقهاء، وأن النظر فيها يتطلب تحقيق صورة القتل وشروط القصاص وموانعه قبل الانتقال إلى بحث العفو عنه.

وهنا يبرز سؤال بالغ الأهمية: وأين حق أم الطفلين؟، لتقول أستاذة الفقه الإسلامي إن انشغال الناس بمشهد الابن الذي يعفو عن أمه لا ينبغي أن يحجب عنهم أمًّا أخرى فقدت طفلين حملتهما في أحشائها، وولدتهما، وسهرت على رعايتهما، وتعلقت بهما آمالها وأحلامها. وليس من العدل أن يتحول حضور الأب في المشهد إلى غياب حق الأم في النظر الفقهي.

وتؤكد د. روحية مصطفى أن أم الطفلين صاحبة حق معتبر شرعًا، وإن اختلف الفقهاء في مدى سلطتها في القصاص؛ فقد ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى اعتبار حق الورثة المستحقين فيه، رجالًا ونساءً، بينما ضيق المالكية حق مباشرة المطالبة بالقصاص والعفو عنه في بعض الصور، وجعلوا الاعتبار للعصبة وفق ترتيبهم الفقهي.

وعلى قول الجمهور، إذا عفا أحد المستحقين للقصاص عفوًا صحيحًا سقط القصاص؛ لأنه لا يقبل التجزئة، لكن عفوه لا يُسقط نصيب بقية المستحقين من الدية.

وأضافت: هنا يظهر الفرق بين سقوط القصاص وسقوط جميع الحقوق؛ فقد يسقط القصاص بعفو أحد مستحقيه، مع بقاء حقوق الآخرين المالية، فلا يملك الأب إسقاط نصيب أم الطفلين من الدية دون رضاها، كما لا يجوز أن ننسب إليها العفو لمجرد صدوره من زوجها.

ولأن الواقعة تتعلق بطفلين، فإن حقوق كل منهما تُبحث على استقلال، ولا يصح أن نعامل قتلهما باعتباره جناية واحدة تُطوى جميع آثارها بمجرد موقف عاطفي، مهما بلغت قوته.

وعن حق المجتمع، تقول أستاذة الفقه: لكن ثمة سؤالًا آخر لا يقل أهمية: هل يؤدي عفو أولياء الدم إلى سقوط حق المجتمع في العقاب؟

لقد فرّق الفقهاء بين الحق الخاص لأولياء الدم، وبين ما يتعلق بالجريمة من حق عام يباشره ولي الأمر لحماية المجتمع وردع الاعتداء، فقد يسقط القصاص بالعفو أو لوجود مانع شرعي، ومع ذلك تبقى للدولة سلطة التعزير إذا اقتضت المصلحة الشرعية ذلك.

وقد تناول ابن رشد في بداية المجتهد الخلاف في تعزير القاتل عمدًا بعد العفو عنه، فنقل عن الإمام مالك وأهل المدينة القول بجلده مائة وحبسه سنة، بينما لم ير آخرون وجوب عقوبة تعزيرية معينة، مع إقرار بعضهم بسلطة الإمام في التأديب عند قيام موجبه.

وهذا يعني أن تقدير التعزير ومداه محل تفصيل فقهي، لكنه يؤكد أن العفو عن القصاص لا يساوي بالضرورة انتفاء كل مسؤولية جنائية.

وقد قررت دار الإفتاء المصرية في فتواها بعنوان «حكم تعزير المحكوم عليه مع عفو أولياء الدم في القتل» أن سقوط الحق الشخصي لا يلزم منه سقوط الحق العام، وأن لولي الأمر توقيع العقوبة المناسبة تعزيرًا إذا اقتضت المصلحة ذلك.

وتضيف د. روحية: هنا تتجلى حكمة الشريعة؛ فهي تحترم مشاعر أهل المقتول وتفتح لهم باب العفو، لكنها لا تجعل أمن المجتمع مرهونًا بمشاعر الأفراد وحدها، ولا تجعل القرابة سبيلًا مضمونًا للإفلات من العقاب.

أما بر الوالدين، فلا خلاف في عظيم منزلته، لكنه لا يقتضي إسقاط الحقوق أو تعطيل العدالة؛ فقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15]. فالبر قائم، لكنه لا يبيح الظلم ولا يوجب التنازل عن حق مشروع.

ولذلك- تقول د، روحية- لا يجوز أن يُتهم الابن بالعقوق إذا طالب بحقه في القصاص حيث يثبت، كما لا يجوز أن نلومه لمجرد عفوه عن حق يملكه شرعًا، فالعفو قد يكون رحمةً واحتسابًا، والمطالبة بالقصاص قد تكون طلبًا مشروعًا للعدل، ولا نستطيع أن نحاكم النيات أو نجزم بما يدور في القلوب.

لكن احترامنا لمشاعر الابن لا ينبغي أن ينسينا أن هناك أمًّا مفجوعة لها حقوقها، وطفلين لهما حرمة الدم، ومجتمعًا يحتاج إلى عدالة تحمي أطفاله من الاعتداء.

وهكذا تجمع الشريعة بين العدل والرحمة؛ فلا تجعل بر الوالدين مبررًا لإهدار حقوق المظلومين، ولا تجعل العفو وسيلة لتعطيل المساءلة، ولا تحمل الابن المفجوع وزر إقامة العدالة وحده.

وتختم الدكتورة روحية مصطفى: فالعفو فضيلة حين يقع ممن يملكه وفي حدوده المشروعة، والعدل فريضة لا يجوز أن تضيع معها دماء الأبرياء، والرحمة الحقيقية هي التي تحفظ للإنسان كرامته، وللمظلوم حقه، وللمجتمع أمنه.. والله تعالى أعلى وأعلم.

إعلان
مساحة إعلانية مميزة - للإعلان لدينا اتصل بنا