بدأت معاناة رجل أمريكي مع صداع غير معتاد بعد ساعات من شراء سيارة جديدة، حين شعر بإحساس حارق في منتصف رأسه، قبل أن تتطور الأعراض إلى نوبات ألم استمرت لسنوات، وأربكت الأطباء الذين لم يتمكنوا من تحديد سببها بشكل قاطع.
ووفقا لصحيفة "واشنطن بوست"، بدأت القصة عام 2002، عندما اشترى توم ويلز سيارة جديدة بالقرب من منزله في ولاية ماريلاند الأمريكية، لكنه فوجئ بعد ساعات قليلة بصداع غريب وصفه بأنه يشبه تعرض دماغه للاحتكاك بورق الصنفرة.
وكان ويلز، الذي لم يكن يعاني مشكلات صحية تذكر ولم يسبق له الإصابة بالصداع، قد لاحظ اختفاء الأعراض عند قيادة سيارة زوجته القديمة، ما دفعه للاشتباه في وجود تسرب من عادم السيارة الجديدة، فأعادها إلى الوكالة، لكن المفاجأة أن الأعراض تكررت بعد شراء سيارة مستعملة.
بعد استشارة طبيب متخصص في الحساسية، أحيل ويلز إلى طبيب في مستشفى جونز هوبكنز بمدينة بالتيمور، متخصص في الصحة البيئية، والذي رجح أن يكون شديد الحساسية تجاه المركبات العضوية المتطايرة، وهي غازات تنبعث في الهواء من مجموعة واسعة من المنتجات والعمليات الصناعية.
وتوجد هذه المركبات في مواد متعددة تستخدم في تصنيع السيارات، وهي أحد العوامل المسؤولة عن الرائحة المميزة التي تعرف باسم "رائحة السيارة الجديدة".
كما أن بعض هذه المركبات لا يمكن اكتشافها عن طريق حاسة الشم، وقد تزيد من مخاطر المشكلات الصحية لدى الأشخاص الذين يعانون أمراضا تنفسية أو حساسية غير معتادة تجاهها.
كما ارتبط التعرض المزمن لمستويات مرتفعة من بعض المركبات العضوية المتطايرة، مثل البنزين، بأضرار عصبية وزيادة مخاطر الإصابة بالسرطان، ويعد دخان السجائر والبنزين من مصادر التعرض لهذه المادة.
ونصح الطبيب ويلز بتجنب الأماكن والمنتجات التي قد تنبعث منها هذه المركبات، مثل الدهانات الحديثة والسجاد الجديد والسيارات حديثة الصنع.
على مدار السنوات التالية، حرص ويلز، الذي كان يبلغ 57 عاما وقت نشر التقرير ويعمل سابقا مديرا تنفيذيا أول في شركة فريدي ماك، على اتباع التعليمات الطبية، وتمكن من تجنب نوبات الصداع لعدة سنوات.
وكان يتواصل مسبقا مع الفنادق للتأكد من الإقامة في غرف لم تخضع لأعمال تجديد حديثة، كما حرص خلال العطلات العائلية على الإقامة في الوحدة السكنية نفسها التي تحتوي على أرضيات من البلاط، وتجنب شراء سيارة جديدة.
لكن عام 2008 شهد عودة الأعراض بعد شراء أثاث جديد لغرفة المعيشة، إذ اكتشف لاحقا أن الأثاث مصنوع من الأخشاب المضغوطة أو المركبة، التي قد تحتوي على مادة الفورمالديهايد، وهي أحد المركبات العضوية المتطايرة.
وأعاد الزوجان الأثاث، لكن الصداع هذه المرة استمر لعدة أسابيع، ما أثار مخاوف ويلز من طول مدة الأعراض.
توجه ويلز إلى طبيب الأعصاب نيرجال كيه نيخار، الذي طلب إجراء تصوير بالرنين المغناطيسي للدماغ، وجاءت النتيجة الأولى طبيعية.
واشتبه الطبيب في وجود مكون التهابي وراء الصداع، فوصف له جرعات متزايدة من دواء بريدنيزون، وهو أحد الكورتيكوستيرويدات القوية المستخدمة لتقليل الالتهابات، لكنه قد يسبب آثارا جانبية خطيرة عند تناوله لفترات طويلة أو بجرعات مرتفعة.
ولم يتمكن ويلز من تحديد مدى فاعلية الدواء، إذ تعرض لنوبة صداع بعد دخوله مرآب عمله الذي كانت أرضيته مطلية حديثا، واستمرت الأعراض شهرين رغم تناوله جرعات مرتفعة من الدواء وتجنبه المرآب لأسابيع.
وفي أكتوبر 2015، قرر ويلز وزوجته سوزان الذهاب إلى السينما لمشاهدة فيلم "Bridge of Spies"، لكنهما لاحظا رائحة خفيفة وواضحة للدهانات والسجاد الجديد داخل قاعة العرض التي خضعت للتجديد مؤخرا.
ورغم ملاحظة الرائحة، قرر ويلز البقاء، معتقدا أن اتساع القاعة سيقلل من تأثيرها، لكنه ندم لاحقا على هذا القرار، بعدما أصيب بصداع شديد بعد ساعات من مشاهدة الفيلم، استمر معه سنوات، ولم يختف تماما حتى وقت نشر التقرير عام 2021.
وفي مطلع عام 2016، طلب طبيب الأعصاب إجراء تصوير جديد بالرنين المغناطيسي، لكن هذه المرة كشفت النتائج عن وجود عدة آفات في المادة البيضاء العميقة بالدماغ، لم تتضح دلالتها الطبية.
وأوضح الطبيب أن مثل هذه التغيرات قد ترتبط بحالات متعددة، منها الصداع النصفي والتصلب المتعدد وأمراض أخرى، لكنه لم يتمكن من تحديد سببها أو علاقتها بالصداع، خاصة أنها كانت نتيجة غير متوقعة لرجل في الخمسينيات من عمره.
وخضع ويلز بعد ذلك لعدة فحوصات بالرنين المغناطيسي، أظهرت عدم حدوث تغيرات في هذه الآفات.
على مدار السنوات الثلاث التالية، استشار ويلز عددا من المتخصصين، بينهم أطباء أعصاب وجراحو مخ وأعصاب وأطباء متخصصون في علاج الألم وأمراض الروماتيزم، في محاولة للعثور على علاج يخفف الصداع المستمر.
وجرب مجموعة واسعة من الأدوية المستخدمة لعلاج الصداع النصفي والاكتئاب وآلام الأعصاب، إلى جانب مرخيات العضلات ومضادات الهيستامين والمسكنات والمهدئات، لكن معظم هذه المحاولات لم تحقق تحسنا ملحوظا.
كما خضع لنحو 12 حقنة في منطقة الجبهة بهدف تخفيف الألم، وجرب الوخز بالإبر الصينية لعدة أشهر، دون الوصول إلى نتيجة حاسمة.
وبحلول عام 2019، بدأ الألم يتراجع، بعدما وصف له طبيب الأعصاب دواء من مجموعة البنزوديازيبينات، وهي أدوية مهدئة تستخدم لعلاج القلق والأرق واضطرابات الهلع.
لكن الطبيب لم يكن متأكدا من سبب تحسن الصداع مع هذا الدواء، موضحا أن تهدئة المريض قد تساعد على إرخاء العضلات، لكنه شدد على أنه لا يعتقد أن القلق هو السبب الأساسي للصداع، بل قد يكون نتيجة المعاناة المستمرة من الأعراض.
وحذر الطبيب من مخاطر الاعتماد على البنزوديازيبينات، نظرا لاحتمال تسببها في الإدمان والاعتماد الدوائي، ما يفرض الموازنة بين تخفيف معاناة المريض وتجنب حدوث الاعتماد على العلاج.
في مطلع عام 2020، وبناء على تشجيع طبيب الأعصاب، حجز ويلز موعدا لدى طبيب متخصص في علاج الصداع بمستشفى كليفلاند كلينك، لكن انتشار جائحة كورونا وإجراءات الإغلاق حالا دون إجراء الزيارة الحضورية.
وخلال مكالمة هاتفية استمرت 30 دقيقة، طرح الطبيب احتمال إصابة ويلز بما يعرف باسم "التحسس المركزي"، وهي حالة يصبح فيها الجهاز العصبي المركزي أكثر حساسية لإشارات الألم، ويضخم الإحساس بها، ما يجعل الشخص يشعر بألم أكبر أو يستمر لفترات أطول.
ولا يزال السبب الدقيق لهذه الحالة غير واضح، لكن العوامل الوراثية، مثل الاستجابة المفرطة للألم، قد تؤدي دورا في حدوثها، كما يمكن أن تظهر أحيانا بعد أحداث معينة، مثل التعرض لإصابة أو الخضوع لجراحة.
وأوضح الطبيب أن أحد الأهداف الرئيسية للعلاج هو كسر دائرة تضخيم الألم المستمرة.
وقبل هذه الاستشارة بفترة قصيرة، كان ويلز قد بدأ تناول دواء ثان مضاد للاكتئاب، يستخدم أيضا في علاج آلام الأعصاب، بناء على وصفة طبيب الأعصاب المعالج له.
ونصحه طبيب كليفلاند كلينك بالاستمرار في تناوله، مع إمكانية زيادة الجرعة عند الحاجة وتحت الإشراف الطبي، لتقييم مدى فاعليته في السيطرة على الأعراض.
وبعد أربعة أشهر، تراجعت نوبات الصداع بصورة كبيرة، واستمر ويلز في تناول الدواء المضاد للاكتئاب، إلى جانب البنزوديازيبين الذي يستخدمه عندما يشتد الألم.
وقال إنه أصبح قادرا على التعامل مع الصداع بصورة أفضل، ويحاول تقليل الأدوية التي يتناولها قدر الإمكان، آملا في التوقف عنها نهائيا.
ورغم التحسن، لم يتمكن الأطباء من تفسير سبب نجاح الجمع بين الدواءين بصورة قاطعة، كما ظلوا غير متأكدين من دلالة التغيرات التي ظهرت في تصوير الدماغ أو علاقتها بالصداع.