أميرة عاصي نشر في: الأحد 1 نوفمبر 2026 - 4:52 م | آخر تحديث: الأحد 1 نوفمبر 2026 - 4:52 م
أكد خبراء دوليون، أهمية الحفاظ على استقلالية البنوك المركزية باعتبارها ركيزة أساسية لاستقرار الأسعار والاستقرار المالي، مع مراعاة اختلاف الظروف الاقتصادية بين الدول المتقدمة والناشئة.
جاء ذلك خلال جلسة بعنوان «عندما تُختبر الاستقلالية: المصداقية، والتوقعات، والضغوط السياسية في ظل تضخم غير مؤكد»، ضمن فعاليات اليوم الأول من منتدى القاهرة الثالث.
وأكد مارك أوزان، المدير التنفيذي للجنة إعادة ابتكار بريتون وودز، أن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ليست شأنا داخليا يخص الولايات المتحدة وحدها، بل تمثل منفعة عامة عالمية، موضحا أن الأسواق الناشئة ستكون من أوائل المتضررين إذا تراجعت هذه الاستقلالية.
وأشار إلى أن عددا من الاقتصادات الناشئة بنى جزءا من مصداقية سياساته النقدية على القدرة على التنبؤ بتحركات الاحتياطي الفيدرالي، وعلى إمكانية الحصول على التمويل بالدولار والاستفادة من خطوط مبادلة العملات في أوقات الأزمات.
ولفت إلى أن الخطر الأكبر لا يتمثل في خفض أسعار الفائدة الأمريكية، بل في فقدان القدرة على التنبؤ بالسياسة النقدية، فإذا بدأت الأسواق في التشكيك في استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، فقد ترتفع علاوة الأجل على سندات الخزانة الأمريكية، بما ينعكس على تكلفة التمويل والتسعير في الأسواق العالمية.
وأضاف أن تقلبات الأسواق قد تكون أكثر ضررا على الاقتصادات الناشئة من مستوى أسعار الفائدة ذاته، محذرا من أن خضوع أقوى بنك مركزي في العالم للضغوط السياسية قد يشجع حكومات أخرى على السعي إلى التأثير في قرارات بنوكها المركزية. ودعا إلى حماية استقلالية هذه المؤسسات باعتبارها ركيزة للاستقرار الاقتصادي الكلي والاستقرار المالي.
وأشار أوزان إلى أن عددا من الأسواق الناشئة تحرك مبكرا لمواجهة التضخم، وعمل على تعزيز احتياطياته وبناء هوامش وقائية أكبر، في ظل عالم يتسم بالتشرذم والتوترات الجيوسياسية، وصعوبة الاعتماد الكامل على خطوط مبادلة الاحتياطي الفيدرالي أو على دعم الاقتصادات الأخرى.
وأكد أن استقلالية البنك المركزي تظل حجر الزاوية للاستقرار الاقتصادي، سواء في الاقتصادات المتقدمة أو الناشئة، مع ضرورة إخضاعها للمساءلة المؤسسية، مشيرا إلى أهمية شرح السياسات النقدية أمام المؤسسات التشريعية والجمهور.
فيما قال كريم العيناوي، الرئيس التنفيذي لمركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، إن تصاعد الأزمات الاقتصادية وتزايد مطالب المواطنين بالحماية يدفعان الحكومات إلى توسيع دورها والتأثير بصورة أكبر في السياسة النقدية، بينما تحتاج البنوك إلى مساحة كافية من الاستقلال الفني لاتخاذ القرارات اللازمة لتحقيق استقرار الأسعار.
وأوضح أن الحكومات قد تسعى إلى خفض تكلفة التمويل والتوسع في الاقتراض والإنفاق، لكن هذه الأهداف تخضع لقيود اقتصادية لا يمكن تجاوزها. ففي الاقتصادات التي تعاني انخفاض المدخرات، يتطلب تمويل مستويات مرتفعة من الاستثمار توفير عوائد مناسبة على الأصول الآمنة، مثل السندات الحكومية، وهو ما يفرض مفاضلات لا يمكن تجاهلها.
وحذر من أن محاولة الجمع بين تمويل رخيص ومدخرات محدودة واستثمارات مرتفعة من دون مراعاة هذه القيود قد تؤدي إلى التضخم وعدم الاستقرار الاقتصادي وتراجع قيمة العملة، وقد تنتهي بأزمات مالية وضغوط على القطاع المصرفي.
وشدد العيناوي على أن دور البنك المركزي لا يقتصر على اتخاذ القرارات الفنية، بل يشمل طرح الأسئلة الصعبة أمام الحكومات والاستماع إلى المواطنين، باعتبارهم المستفيدين النهائيين من السياسات العامة. وأكد أن خفض التضخم لا يُعد نجاحا إذا تحقق على حساب خنق النشاط الاقتصادي، داعيا إلى الشفافية وشرح القرارات والاعتراف بالأخطاء عند وقوعها.
وأشار إلى أن غياب النقاش والاختلاف بين البنك المركزي ووزارة المالية لا يمثل بالضرورة علامة على التوافق الصحي، بل قد يعكس غياب المساءلة أو عدم طرح الأسئلة الضرورية لحماية الاقتصاد.
وأضاف أن البنك المركزي يمكن أن يؤدي دور المستشار للحكومة من دون التخلي عن استقلاليته الفنية، محذرا من أن الهيمنة المالية تقود إلى تراكم الديون وفقدان جزء من السيادة الاقتصادية، بما قد يضطر الدول في نهاية المطاف إلى اللجوء إلى مصادر تمويل خارجية بشروط أكثر صعوبة.
فيما قالت غويندولين أبوناو، العضو المنتدب لبنك إيكوبنك الكاميرون، أن ربط الفرنك الأفريقي في منطقة وسط أفريقيا باليورو، بدعم من الخزانة الفرنسية، يحد من مرونة السياسة النقدية، إذ يتعين على صانعي القرار مراعاة التزامات سعر الصرف عند اتخاذ القرارات المتعلقة بالمعروض النقدي والسياسة النقدية.
وأكدت أن الاعتماد على العملات الأجنبية في سداد الديون الخارجية يجعل كفاية الاحتياطيات الأجنبية وقدرة الدول على تغطية الواردات من العوامل الأساسية في إدارة نظام سعر الصرف. وأوضحت أن البنك المركزي في المنطقة لا يتمتع باستقلال كامل في قراراته النقدية، في ظل ارتباط العملة باليورو وتأثر السياسات بقرارات البنك المركزي الأوروبي ودور الخزانة الفرنسية.
وأشارت إلى أن النقاشات التي يقودها الاتحاد الأفريقي بشأن إنشاء بنك مركزي أفريقي قد تفتح المجال أمام قدر أكبر من السيادة النقدية، لكنها شددت على ضرورة التأكد من قدرة الاقتصادات المعنية على تحقيق الاستقرار والازدهار دون الاعتماد على الدعم المرتبط باليورو.
وأضافت أن التشدد النقدي أسهم في تجنب تخفيض جديد لقيمة العملة منذ التخفيض الذي شهدته المنطقة في أوائل التسعينيات، لكنه فرض في المقابل قيودا على النمو الاقتصادي في اقتصادات تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات وتتأثر مباشرة بالصدمات العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد.
كما حذرت من أن ارتفاع الديون الحكومية يفرض ضغوطا على البنوك المركزية والقطاع المصرفي، مشيرة إلى اعتماد البنوك في المنطقة بدرجة كبيرة على أذون الخزانة والأوراق المالية الحكومية لتمويل احتياجات الحكومات، مقابل مستويات أقل من الائتمان المباشر للقطاع الخاص.
وأرجعت ذلك إلى احتياجات الحكومات لتمويل البنية التحتية والمشروعات الكبرى ومحدودية البدائل التمويلية المتاحة في الأسواق، معتبرة أن هذه الضغوط تحد من الاستقلال الفعلي للسياسة النقدية.