هذه عودة إلى أفكار كتبتها هنا منذ أكثر من عامين، وأرانى أزداد قناعة بها، قلت وقتها إن مصر قدرها أن تكون دائما فى وسط الأحداث، وأن تواجه تحديات ضخمة من الداخل والخارج، وأن اقتصادها يواجه تحديات هيكلية تحتاج جهودا متميزة للتعامل معها، إلا أنه وبالرغم من كل هذه الظروف الاقتصادية والمعيشية الضاغطة، فإننا كمجتمع، وبعيدا عن هذه الاعتبارات تمضى فئات عديدة منه، فى أداء دؤوب، لاستكمال رسالتها فى البناء وصنع الحياة.
تاملوا أننا، ونحن فى خضم كل هذه التحديات، مازلنا نمتلك مجتمعا متماسكا ومتجانسا، وعندنا دائما كيانات مجتمعية مستقرة وساهرة على إتمام رسالتها، متغلبة فى ذلك على ظروف وتحديات تواجهها، وهذه الجماعات والكيانات تستمر فى مواجهة أوضاع غير مواتية، وهى لا تفعل ذلك بأوامر فوقية، وإنما أداء لرسالتها بعيدا عن الشعارات التى يرفعها البعض، وهى فى مجملها التى كونت التيار (التحتى) فى المجتمع الذى حافظ عليه، وعلى تماسكه وعلى هويته، ومازالت تفعل ذلك حتى الآن، وتكمن قوة هذه الكيانات وتأثيرها ليس بسبب أى قوانين قد تمكنها من ذلك، ولكن بسبب إكبار فئات عديدة للمسؤوليات التى عليها أن تؤديها، وبسبب تواصل مجتمعى فيما بينها، أفضى إلى ما هى عليه الآن، وإلى الدور الذى تقوم به.
إن رب الأسرة، هذا الموظف أو العامل البسيط، محدود الدخل، الذى يعلّم أولاده ويحافظ عليهم، ويطمع أن يكونوا، بتعليمهم هذا أفضل منه، ويسعى أن ينتقلوا، بتعليمهم، إلى وضع اجتماعى أفضل، ويشعرك دائما بالرضا والقناعة بما هو فيه، بالرغم من أنه يصارع هو وزوجته لتوفير متطلبات الحياة الضرورية لأولاد لم يشتد عودهم، وفى ظروف صعبة من حيث قلة الدخل وارتفاع الأسعار، ويجتهد فى الدخول فى ترتيبات مع الأهل والجيران لمواجهة متطلبات مواسم دخول المدارس والأعياد، والحرص دائما على البحث عن السلع بعيدا عن استغلال الكيانات التجارية الكبيرة، والرضا بالقليل من ضروريات الحياة، وبأقل القليل من كمالياتها، والتى يتم الترويج لها بإعلانات مستفزة، والتى تخاطب فئات لا يشبهها، هذا الأب لا يفعل ذلك استجابة لأوامر أو توجيهات، وإنما من وازع من ضميره واستشعاره للمسؤولية تجاه من ارتبط مستقبلهم بقدرته على البذل والعطاء.
أتحدث هنا عن الأب الذى يعمل على مدار ساعات النهار، وبعض ساعات الليل، فى وظيفة أو أكثر، والأم التى تدبر ميزانية الأسرة المتواضعة، وتشارك بالعمل أيضا، هؤلاء لا يملكون رفاهية التنظير، ولا يزأرون بالاعتراض على أى قرار، لكنهم مهمومون بالأساس برسالة هم مقتنعون بها ويريدون إكمالها، ويودون لو امتد بهم العمر ليروا نتائج هذا الغرس الذى زرعوه، وهم بذلك لا يراعون فقط أسرهم، لكنهم أسدوا عملا عظيما للمجتمع الذى يعيشون فيه.
ولا بد أن القارئ قد تبادر إلى ذهنه أيضا ممارسات تتم فى حياتنا وبشكل عفوى، لكنها تدعم هذا المجتمع وتساعد فئات منه على التصدى للصعوبات وعبور التحديات التى تواجهها، ولابد أن ممارسات مثل عمل الجمعيات بين ربات البيوت لتمويل الزواج وشراء الأجهزة تدخل فى هذا الإطار مثلما تدخل ممارسات أخرى، منها نشاطات الجمعيات الأهلية، وموائد الرحمن فى رمضان، وزيادة الاعتماد على الاقتصاد الشعبى الذى تنتشر منافذه فى الشوارع والميادين (الباعة الجائلون وأسواق الخضار)، وعلى نفس الشاكلة هناك هذا الشاب الطموح المتعلم، الذى لا يرتضى بالبطالة، ولا يلهث وراء الوظيفة الميرى وإنما يوظف مهاراته فى مشروع خاص أو فى نشاطات تدر عليه دخلا أفضل، وتفتح أمامه الطريق واسعا نحو مستقبل أفضل.
وها هم المعلمون فى المدارس، والأساتذة فى الجامعات، ودون كلل أو ملل، وفى ظروف مالية صعبة، يمارسون دورا محوريا فى بناء عقول الأجيال الجديدة، وتسليحهم بالعلم والمهارات، التى تمكنهم من دخول معترك الحياة، والانخراط فى بناء مستقبل أفضل، وهناك العديد من الإعلاميين والصحفيين، الذين يراعون الله فى الوطن، والذين ينقلون نبض الشارع الفعلى وقضايا المواطن الحقيقية إلى المسؤولين وأصحاب القرار دون تزييف أو تجميل، وهناك رجال الدين المعتدلون، الذين يدعون إلى الدين الوسطى السمح بعيدا عن التعصب والتشنج والترهيب والوعيد، وممن يتصدون لقضايا المجتمع الحقيقية بعيدا عن الغيبيات وترويع المواطن بالثعبان الأقرع وعذاب القبر.
وهناك أصحاب الرأى والمفكرون والمنظرون المخلصون فى إسداء النصح للمسؤول والمواطن على السواء، والذين ينقلون ويتحدثون عن التجارب الإيجابية والأفكار الصحيحة، بعيدا عن المجاملات ودون تعالٍ، وإنما من منطلق أنهم يحملون رسالة مهمة تجاه المجتمع وقضاياه، وهناك من ينصح مخلصا فى سبيل استقرار الأوضاع، والأوضاع الاقتصادية فى القلب منها، ودون غرض أو مصلحة، وإنما ابتغاء لوجه الله والوطن.
ولا شك عندى أن الممارسات، التى تضطلع بها هذه الكيانات والمجموعات المهمة، ما كان لها أن تنجح، وما كانت لتُحدث أثرها فى دعم المجتمع واستمرار عطاء مكوناته ما لم تكن لها بيئة أخلاقية حاضنة، أساسها حب الوطن والحرص عليه، وباقى الصفات المجتمعية الحميدة الأخرى مثل الصدق والإخلاص والمروءة، والجدعنة، وإغاثة المحتاج، وحماية الضعيف، والعطف على الصغير، وتوقير الكبير، وإعمال ما استقر فى وجدان المجتمع من المبادئ السمحة، التى دعت لها واتفقت عليها جميع الديانات السماوية دون استثناء.
إن كل ما سبق يمثل أمثلة فقط لمكونات وخصائص ومجهودات هذه الكتلة التى تكون البنية التحتية الغاطسة للمجتمع والتى تصونه وتحافظ عليه، وعلينا فى خضم التحديات التى تواجهنا أن ندعم كل جهد مخلص فى توفير المناخ الذى يساعده ليس فقط على التغلب على التحديات التى يواجهها، وإنما على ضمان استمرار عطائه كونه يصب فى مسعاه فى صالح مصلحة البلاد واستقرار المجتمع... حفظ الله مصر.