«قال لى أحد المعلمين إننى لن أحقق شيئًا، وإننى لن أنجح أبدًا»، تخيل معى من قائل تلك العبارة؟، واحد من أهم أبطال الرياضة فى التاريخ إن لم يكن أكثرهم حصداً للميداليات، إنه بطل السباحة العالمى مايكل فيلبس، والذى اعترف بأنه كان يعانى من فرط الحركة وتشتت الانتباه، روى أنه كان فى طفولته دائم الحركة، لا يستطيع الجلوس ساكنًا، ويلاحظ أن بعض المعلمين يعاملونه بصورة مختلفة عن زملائه، وأوضح أن الاضطراب ظل جزءًا من حياته، وأن إدراكه أن الحديث مع شخص وطلب المساعدة أمر مقبول كان نقطة تحول غيّرت حياته، أنقذته السباحة من أن يفترسه ويشله المرض،
وقال «فى الماء، شعرت للمرة الأولى بأننى أملك زمام نفسى»، أكتوبر هو شهر التوعية باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، وسأعتمد فى المعلومات العلمية على موقع cdc الأمريكى، فنحن نحتاج اليوم إلى مراجعة الكلمات التى نلقيها على أطفالنا كالحجارة: «أنت كسول، مهمل، شقى، لعبى، مش عايز تتعلم»، أحيانًا يكون الطفل الذى نوبخه كل صباح يخوض معركة لا نراها، ويحاول الإمساك بانتباهه كما يحاول شخص جمع أوراق تتطاير فى مهب الريح، ونحن نقسو ونضغط ونزيد الطين بله، اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه حالة نمائية عصبية، تبدأ أعراضها فى الطفولة، وقد تستمر إلى البلوغ، تمس القدرة على تنظيم الانتباه، وضبط الاندفاع، وإدارة النشاط، وللوراثة دور مهم فى احتمالات الإصابة،
لذلك فإن اختزال المشكلة فى سوء التربية يظلم الأسرة والطفل، ويؤخر الوصول إلى المساعدة المناسبة، والاسم نفسه قد يخدعنا، فليس كل مصاب يقفز فوق المقاعد ويتشقلب كالبهلوان أو يملأ الفصل ضجيجًا، هناك طفل هادئ، شارد، ينسى التعليمات ويفقد أدواته، وتضيع منه تفاصيل الدرس، وقد تمر معاناته دون ملاحظة لأن صمته لا يزعج أحدًا، وهناك من تغلب عليه الحركة والاندفاع، ومن تجتمع لديه المجموعتان، لكن التوعية لا تعنى تحويل كل نسيان إلى تشخيص، ولا تعليق بطاقة مرضية على كل طفل كثير الحركة. التشخيص يحتاج إلى تقييم متخصص، وأعراض مستمرة تؤثر فى الحياة، وتظهر فى أكثر من بيئة، كالبيت والمدرسة. كما ينبغى البحث عن اضطرابات النوم والقلق وصعوبات التعلم وغيرها مما قد يشبه الأعراض.
لا يوجد تحليل دم منفرد أو اختبار إلكترونى سريع يحسم التشخيص، العلاج يبدأ بفهم الاحتياج الفردى، وقد يشمل تدريب الوالدين على إدارة السلوك، وتدخلات مدرسية، وأدوية يختارها الطبيب ويتابع فوائدها وآثارها الجانبية.
وللأطفال الأصغر من السادسة، يُوصى عادة بالتدخل السلوكى وتدريب الوالدين أولًا. الهدف أن يستطيع الطفل التعلم وبناء العلاقات وتنظيم يومه، وأن تقل المعاناة التى تعطل قدراته، وفى البيت، يمكن للتعليمات القصيرة، وتقسيم الواجب إلى خطوات، والروتين الواضح، والتشجيع المحدد، أن تجعل المهمة أقل إرهاقًا، وفى المدرسة، يحتاج بعض الأطفال إلى تقليل المشتتات، وفواصل حركة مناسبة، وتعاون بين المعلم والأسرة والمعالج.
هذه الترتيبات تمنح الطفل فرصة أعدل لإظهار ما يعرفه، ولا تنتهى الحكاية بانتهاء المدرسة، قد يصبح الطفل بالغًا يتعثر فى المواعيد، وإدارة المال، وإنجاز العمل، ويحمل داخله تاريخًا من الشعور بالتقصير، التشخيص الصحيح فى الكبر قد يساعده على فهم صعوباته، وطلب العلاج، وبناء وسائل عملية للتعامل معها، بدل الاستمرار فى محاكمة نفسه أخلاقيًا، رسالة أكتوبر أن نستبدل الإهانة بالسؤال، والعقاب الأعمى بالتقييم، والأحكام الجاهزة بالمعرفة، لا نحتاج إلى تصوير المصاب عبقريًا بالضرورة حتى نحترم حقه فى الدعم، تكفى إنسانيته، وكل طفل يستحق أن يسمع من الكبار: سنفهم ما يصعب عليك، وسنبحث معك عما يساعدك، ربما تبدأ استعادة ثقته بنفسه حين يجد بالغًا يرى محاولاته، ويصغى إلى تعبه، ويؤمن بأن التعلم يصبح ممكنًا عندما نغير طريقة المساندة ونمنحه الوقت الكافى.