الأحد 25/أكتوبر/2026 - 07:24 م
الكثير من المفاهيم التي تركز علي امتلاك المعادن النادرة والتي قد تكون الصراع القادم بل ستذهل الي احتكار باطن الأرض ، ومع تعاظم أهمية المواد الخام التي تمثل صناعات استراتيجه وحيويه في الاقتصاديات والتي تدخل في صناعة البطاريات والسيارات الكهربائية وتوربينات الرياح والإلكترونيات والتقنيات الدفاعية. فالعالم الذي يسعى إلى خفض انبعاثاته يواجه اختبارًا موازيًا: كيف يحصل على معادن المستقبل القادم دون الإضرار بالإنسان والبيئة المحيطة به.
وحيث أن التنافس على موارد الطاقة لم يعد مقتصرًا على النفط والغاز؛ فقد أصبحت المعادن الاستراتيجية إحدى أدوات النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي. وللدقة العلمية، فإن الليثيوم والكوبالت والنيكل ليست من العناصر الأرضية النادرة فحسب ولكنها تتمثل في أهميتها للصناعات الحديثة وحساسية سلاسل إمدادها. وتنبع قوتها من ضرورة استخدامها في تطبيقات محددة، ومن تركز استخراجها أو معالجتها لدى عدد محدود من الدول.
ولهذا، لم تعد ملكية المناجم وحدها كافية لضمان النفوذ؛ فالقدرة على فصل المعادن وتنقيتها وتحويلها إلى مكونات صناعية قد تكون أشد تأثيرًا من امتلاك الخام نفسه.
وقد أوضحت وكالة الطاقة الدولية أن القيود الصينية على صادرات بعض العناصر الأرضية النادرة والمغناطيسات في أبريل 2025 أربكت إمدادات مصانع خارج الصين، واضطرت بعض شركات السيارات إلى خفض التشغيل أو تعليق الإنتاج مؤقتًا. وهكذا أصبحت المعادن جزءًا من حسابات الأمن الصناعي والقومي.
لكن خلف هذا التنافس تبرز قضية أكثر اتصالًا بصحة البيئة: أين تقع الأضرار، ومن يتحمل تكلفتها؟ فالتكنولوجيا التي تخفض الانبعاثات أثناء التشغيل قد تترك أعباء بيئية كبيرة خلال استخراج موادها وتصنيعها. ولذلك، فإن الحكم على استدامتها يتطلب تقييم دورة حياتها كاملة، ومقارنتها بالبدائل، مع مراعاة مصدر الطاقة وكفاءة الإنتاج وإمكانات إعادة التدوير.
تبدأ هذه الدورة بالتعدين، حيث قد تستلزم عمليات الوصول إلى الخام إزالة الغطاء النباتي وتحريك كميات ضخمة من التربة والصخور. وإذا غابت الإدارة البيئية الفعالة، تتضرر الموائل الطبيعية، ويتصاعد الغبار، وتتأثر موارد المياه وسبل معيشة المجتمعات المحيطة، ثم تأتي عمليات الفصل والمعالجة، التي تستخدم المياه والكواشف الكيميائية وتنتج مخلفات تحتاج إلى احتواء ورقابة مستمرين. وتختلف خطورة هذه المخلفات باختلاف الخام والتقنية المستخدمة؛ فقد تصاحب بعض خامات العناصر الأرضية النادرة مواد مشعة طبيعيًا، مثل الثوريوم واليورانيوم. ولا يصح تعميم هذا الخطر على جميع المعادن أو البطاريات، لكنه يستوجب احتياطات خاصة حيث يوجد.
وفي مراحل التكرير والتصنيع، تصبح الطاقة المستخدمة عاملًا حاسمًا في البصمة الكربونية. فإنتاج مكونات لتكنولوجيا منخفضة الانبعاثات داخل منشآت تعتمد على الفحم يزيد الأعباء المرتبطة بتصنيعها، ويؤكد ضرورة تحسين سلسلة الإنتاج بأكملها.وتوضح بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية حجم تركز الإمدادات: فقد بلغ الإنتاج العالمي المقدر للنيكل نحو 3.9 ملايين طن في 2025، بينما استحوذت جمهورية الكونغو الديمقراطية على نحو 73% من إنتاج الكوبالت المنجمي عالميًا. وهذه الأرقام تجعل حماية بيئة مناطق الإنتاج وصحة سكانها مسؤولية تتجاوز حدود الدول المنتجة إلى الشركات والأسواق المستفيدة.
وهنا تتجلى العدالة البيئية: فلا يجوز أن تحصل أسواق التكنولوجيا على المنتج النهائي، بينما تُترك المجتمعات القريبة من المناجم أمام المياه الملوثة والأراضي المتدهورة وتكاليف العلاج وإعادة التأهيل. ويجب أن ينعكس استغلال الثروات على التنمية المحلية، من خلال فرص عمل آمنة، وبنية أساسية أفضل، وحصة عادلة من القيمة المضافة، ومشاركة حقيقية للسكان في القرارات المؤثرة في حياتهم.
أما نهاية عمر البطاريات والأجهزة، فينبغي أن تكون بداية لاستعادة الموارد. فإعادة التدوير المنضبطة تقلل الحاجة إلى استخراج خامات جديدة وتحد من إهدار المعادن. لكنها تتطلب نظم جمع وفرز ومعالجة آمنة؛ إذ قد يؤدي التخلص العشوائي إلى تسرب مواد ضارة أو اندلاع حرائق، بحسب نوع المخلفات وظروف التعامل معها.
وتظل الحوكمة حلقة أساسية في هذه المعادلة. فالتشريعات الوطنية والأطر الدولية توفر أدوات مهمة، لكن تفاوت المعايير والرقابة وقدرات التنفيذ يسمح باستمرار ممارسات ضارة. وقد طرحت لجنة الأمم المتحدة المعنية بمعادن التحول الطاقي، في سبتمبر 2024، مبادئ وتوصيات لتعزيز العدالة والاستدامة عبر سلاسل القيمة، إلا أن هذه المبادئ طوعية ولا تشكل بذاتها اتفاقية دولية ملزمة.
ووضع قانون المواد الخام الحرجة الأوروبي مؤشرات مرجعية لعام 2030، تشمل بلوغ قدرات الاستخراج داخل الاتحاد ما يعادل 10% من استهلاكه السنوي للمواد الاستراتيجية، والمعالجة 40%، وإعادة التدوير 25%. وهي توجهات لتعزيز أمن الإمدادات والقدرات الصناعية، وتحتاج حمايتها البيئية إلى تطبيق فعال ورقابة ومساءلة مستمرين.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إطار دولي أكثر اتساقًا، يحدد حدًا أدنى للحماية البيئية والاجتماعية، ويلزم الشركات بتتبع مصادر المعادن والإفصاح عن استهلاك المياه والطاقة والانبعاثات وإدارة المخلفات. كما ينبغي اشتراط ضمانات مالية لإعادة تأهيل المناجم قبل بدء التشغيل، وتفعيل التفتيش المستقل والتعويض عن الأضرار، وتعليق التراخيص عند المخالفات الجسيمة.
إن نجاح التحول الأخضر يتوقف على قدرته على الجمع بين خفض الانبعاثات وحماية النظم البيئية وصحة الإنسان. فالمعادن يمكن أن تكون أساسًا للتقدم والتنمية إذا أُديرت بشفافية وعدالة، ويمكن أن تصبح مصدرًا للتلوث والتوتر إذا خضعت لمنافسة تتجاهل تكلفتها الحقيقية.
وإذا كانت معادن باطن الأرض وقود الثورة التكنولوجية الجديدة، فإن القانون والعدالة البيئية يجب أن يحكما مسارها منذ البداية. فالمستقبل الأخضر يستحق اسمه حين يضمن أن حماية البيئة في مكان لا تتحقق على حساب تدميرها في مكان آخر.