نشر في: الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 - 12:20 ص | آخر تحديث: الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 - 12:20 ص
أكرر دومًا أن إصلاح أي دولة يبدأ من إصلاح نظامها المحلي، فمعركة الإصلاح الحقيقة تبدأ من القاعدة؛ حيث تكمن فيها حلول كافة التحديات التي تواجهها الدولة سواء اقتصادية أو مالية أو اجتماعية أو إدارية أو غيرها إنطلاقًا من مبدأ إداري ثبت تجربته ونجاحه: تجزئة أو تفكيك المشاكل تقود حتمًا إلى الحل. وترجع أهمية النظام المحلي "الجيد" في أن المحليات لا تعد فقط خط الدفاع الأول عن الحكومة بل عن الدولة ذاتها فهي الحلقة الأولى في العلاقة بين المواطن والدولة، كما أنها تمثل منصات انطلاق للكفاءات المحلية أي من يثبت كفاءته على المستوى المحلي يتم تصعيده للحصول على أدوار أكبر على المستوى الوطني، كما أنها مصدر المعلومات الأكثر دقة، وحجر أساس المبادرات التنموية المستدامة، والجسر الحقيقي للمشاركة الشعبية وفيها يبدأ انخراط المواطن في الشأن العام، ووفقًا لها يتم مراعاة التمايزات البينية بشكل أفضل، كما أنها ترتبط بكفاءة أعلى في توظيف وصيانة المال العام.
وانطلاقًا من التراكم الخبراتي والمعرفي بالنظم المحلية وكيفية إصلاحها عالميًا، أقدم للقارئ الكريم في هذا المقال رؤية تتعلق بإصلاح النظام المحلي في مصر مكونة من عشرة محاور، يتم تناول خطة العمل التفصيلية لكل منها في مقالات مستقلة ومتكاملة لاحقًا، على النحو التالي:
أولاً: إعادة بناء فلسفة النظام المحلي، بعبارة أخرى يولد النظام من رحم المنطق أو الفلسفة التي بني عليها؛ فالعلة تسبق النص. وترتبط ماهية النظام المحلي الذي نريده -إدارة محلية أم حكم محلي- بتحديد دور الدولة في الشأن العام بحيث نصل إلى صيغة مفادها الانتقال التدريجي من كون الوحدة المحلية مجرد ذراع تنفيذي للوزارات والمؤسسات الحكومية المركزية (في إطار ما يعرف بعدم التركيز الإداري أو اللاوزارية أو إدارة الفروع Deconcentration) إلى تحمل مسئولياتها في إدارة الشأن المحلي بسلطات وموارد محددة تحت رقابة الحكومة (فيما يعرف بالتمكين المحلي المعزز لوحدة وقوة الدولة).
ثانيًا: إعادة النظر في التقسيم الإداري للدولة، ووجود معايير واضحة لإنشاء وتعديل وإلغاء الوحدات المحلية، وذلك وفقًا لأسس علمية يتمثل أهمها في الاعتمادية المتبادلة بما يضمن تعزيز وحدة إقليم الدولة ويعالج تحديات التقسيم الحالي والموروث منذ آلاف السنين والذي تم تقنينه بالقرارات الجمهورية أرقام 1755 لسنة 1960، 572 لسنة 1961، 84 لسنة 1979، 387 لسنة 2009، وما تلاها من قرارات ذات صلة. وأعضاء جسم الإنسان والتقسيمات الإدارية لإقليم الدولة صنوان؛ وهنا ينبغي التحذير من خطورة ما قدمه البعض من تصورات حول إعادة تقسيم إقليم الدولة وفق خطوط عرضية بحيث تشمل كل محافظة ظهير صحراوي ومنفذ بحري، فيجب الوقوف بقوة في وجه أي مقترحات مشابهة يمكن أن يكون لها آثار سلبية على الأمن القومي أو يشكل خطرًا ولو محتملاً على التكامل العضوي للدولة ولو بعد قرون.
ثالثًا: وضع خريطة وطنية واضحة لتوزيع الاختصاصات، بحيث يتم تشارك اختصاصات التخطيط والإدارة والتمويل بين الحكومة والمحليات. فتكون هناك اختصاصات حصرية للحكومة، وأخرى حصرية للمحليات لا يجب أن تنشغل بها الحكومة ولا أن نثقل كاهلها بها، وثالثة مشتركة يتقاسمان القيام بها؛ وذلك كله في إطار مجموعة من المبادئ الحاكمة أهمها مبدأ محلية الشأن Subsidiarity ومبدأ الكفاءة، ومبدأ اقتصادات النطاق، ومبدأ تبعية التمويل للاختصاص (لا اختصاص بدون تمويل Finance follows functions) ومبدأ التوازن بين الموارد والمسئولية (لا موارد بدون مساءلة).
رابعًا: إعادة تعريف مستويات الإدارة المحلية؛ يتكون النظام المحلي في مصر من خمس وحدات محلية هي المحافظات والمراكز والمدن والأحياء والقرى. لكن فيما يتعلق بالمستويات –من يتبع من ومن يشرف على من- فهي تتراوح بين مستويين إلى أربعة على النحو التالي: في المحافظات الحضرية يوجد مستويين هما المحافظة والأحياء، وفي المحافظات غير الحضرية -سواء ريفية أو صحراوية أو ساحلية- فتتراوح بين ثلاثة مستويات هي: المحافظة والمراكز ثم المدن والقرى الأم، أو أربعة مستويات في حالة وجود أحياء بالمدن الكبرى كما هو الحال في مدن المنصورة أو الزقازيق أو طنطا أو الاسماعيلية أو سوهاج أو أسيوط وغيرها. وهنا تثار العديد من التساؤلات الخاصة بمدى الحاجة إلى تطوير نظام مختلف للمدن الكبرى، أو نظام مختلف لعاصمة البلاد على غرار ما ذهبت إليه دول أخرى، ومدى الحاجة إلى إعادة النظر في المستويات وعددها وغيرها. وتقدم التجربة الدولية الكثير من الدروس المستفادة في هذا الشأن.
خامسًا: الإصلاح الجذري للنظام المالي على المستوى المحلي ابتداء من التخطيط إلى الموازنة، حيث أقر الدستور للوحدات المحلية بالشخصية الاعتبارية والموازنات المستقلة والموارد ذات الطابع المحلي من ضرائب ورسوم، وهنا تتضح الحاجة جلية إلى تطوير معادلة مالية تعزز من أداء المناطق الأقل قدرة بما يحد من العديد من الظواهر ذات التأثير التنموي غير المرغوب؛ لعل منها عدم التوازن التنموي مكانيًا والهجرة الداخلية والاحساس لدى البعض بالتهميش.
سادسًا: إعادة النظر في منظومة التخطيط المحلي بحيث ننتقل من توزيع المشروعات إلى منهج التنمية المكانية؛ فلكل مكان وظيفة، مع تفعيل أسس التخطيط بالمشاركة من مستوى القرية والحي صعودًا لتتكامل على المستويات الأعلى استنادَا إلى فجوات الخدمات والاحتياجات مع وجود مؤشرات واضحة لقياس الأداء مع تفعيل مبدأ غروب الشمسProvision Sunset بالنسبة لكافة المشروعات الاستثمارية. ومن المهم هنا الإشارة إلى تعزيز روح التنافس المحلي وفقًا لنتائج تنموية قابلة للقياس من قبل مرصد التنمية المحلية.
سابعًا: تفعيل دور المجالس المحلية المنتخبة Elected Local Councils فهي ليست مجرد مجالس استشارية حيث يمنحها الدستور والقانون مجموعة من الأدوار التنموية والأدوات الرقابية بما يضمن حوكمة أعمال وقرارات المجالس المحلية التتفيذية، مع أهمية تفعيل أساليب اضافية تعزز دور المواطن في الشأن المحلي وتزيد من انخراطه في الشأن العام مثل استطلاعات الرأي والاستفتاءات المحلية وغيرها بحيث يصبح للمواطن دور محوري في الحفاظ على المال العام، وبالتأكيد لا يتعلق هذا البند فقط بإجراء الانتخابات المحلية بل يمتد إلى تشكيل تلك المجالس واختصاصاتها وكيفية مساءلتها.
ثامنًا: إصلاح منظومة القيادات المحلية من حيث طريقة وشروط الشغل أو الاستمرار أو المساءلة، وهنا نؤكد على أهمية التدرج في تولي الوظائف القيادية المحلية -وذلك وفقًا لأسس ومعايير واضحة ومعلنة وشفافة- بحيث نبدأ من الوظائف القاعدية المتمثلة في رؤساء القرى الأم والمدن والأحياء على حسب المستوى، ثم رؤساء المراكز وسكرتيري العموم. مع دراسة وضع السكرتير العام المساعد من حيث التفعيل أو إعادة التموضع أو الإلغاء، وصولاً إلى المناصب العامة المتمثلة في المحافظين ونوابهم، حيث يجدر دراسة استحداث مناصب معاوني ومساعدي المحافظين على غرار ما تم بالنسبة للوزراء، مع أهمية تقييم تجربة نواب المحافظين.
تاسعًا: تعزيز مسيرة التحول الرقمي على المستوى المحلي Digitalization Enhancement من خلال بناء قواعد بيانات محلية موحدة لكل وحدة محلية ورقمنة الخدمات بمعنى أن يكون هناك ملف رقمي يتضمن كافة البيانات الخاصة بكل وحدة محلية من السكان إلى البنية التحتية إلى الايرادات المحلية والفرص الاستثمارية وغيرها من المؤشرات التنموية.
عاشرًا: تمكين الوحدات المحلية من القيام باختصاصاتها وفقًا للخريطة المشار إليها وتفعيلا للاستحقاقات الدستورية وذلك وفق برنامج زمني واضح تقاس نتائجه أولاً بأول مع التزام الحكومة بتقديم الدعم الفني اللازم وتنظيم برامج بناء وتنمية القدرات الضرورية لقيام تلك الوحدات بمسئولياتها تجاه قاطنيها.
وفي النهاية ينبغي التأكيد على أن الحكومات المصرية المتعاقبة قد بذلت جهودًا كبيرة في كل محور من هذه المحاور لكن بالتأكيد هناك المزيد الذي يمكن فعله؛ وعليه فإن منظومة الإصلاح المحلي المقترحة والتي يمكن أن تتم بالتزامن وعلى مراحل خلال الفترة من 2027 إلى 2036 تقوم على: حيز مكاني مناسب، واختصاصات واضحة، وموارد كافية، وإدارة محلية محترفة، ومجلس منتخب قوي، ونظام مالي وتخطيطي محوكم يعتمد على بيانات دقيقة، مع دور فاعل للمواطن في الشأن المحلي بما يعزز من قوة وحدة الدولة ويعظم توظيف مواردها. فالإصلاح يبدأ من القاعدة وبمتانة القاعدة يرتفع البناء، رفع الله مصر مكانًا عليًا وأيدها بمدده.