كرّمت نقابة المهندسين عددًا من أبطال حرب أكتوبر المجيدة، تقديرًا لما قدموه من تضحيات وبطولات أسهمت في استعادة الأرض والكرامة الوطنية، وذلك بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصار أكتوبر، بحضور أبطال الحرب وقيادات المهندسين العسكريين.
واستعرضت الاحتفالية الدور الذي لعبه المهندس المصري في تحقيق العبور، وفي مقدمة ذلك إزالة الساتر الترابي لخط بارليف باستخدام تقنية التجريف بالمياه، التي جسدت عبقرية العقل المصري وقدرته على توظيف العلم والخبرة في مواجهة التحديات وتحويل الأفكار الهندسية إلى إنجاز ميداني حاسم أسهم في صناعة النصر.
وأكد الدكتور المهندس محمد عبدالغني، نقيب المهندسين، أن المهندس المصري جسّد نموذجًا فريدًا في توظيف العلم والخبرة والابتكار لخدمة معركة السادس من أكتوبر عام 1973، وأسهم بدور حاسم في تهيئة الطريق أمام القوات المسلحة لتحقيق النصر، مشددًا على أن إزالة الساتر الترابي لخط بارليف تظل واحدة من أبرز الشواهد على عبقرية المهندس المصري وقدرته على تحويل المعرفة إلى إنجاز ميداني حاسم.
جاء ذلك خلال احتفالية نظمتها نقابة المهندسين، من خلال اللجنة الثقافية والفنية برئاسة المهندس إبراهيم المدني، بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصار أكتوبر المجيد، بحضور اللواء أركان حرب الدكتور سمير فرج، الخبير الاستراتيجي وأحد أبطال حرب أكتوبر، ونخبة من قيادات المهندسين العسكريين وأبطال الحرب، إلى جانب قيادات النقابة.
وشهدت الاحتفالية استعراضًا لدور المهندسين المصريين في تحقيق النصر، وشهادات عن بطولات القوات المسلحة في حرب أكتوبر، إلى جانب تكريم أبطال شاركوا في المعركة، تقديرًا لما قدموه من تضحيات أسهمت في استعادة الأرض والكرامة الوطنية.
وقال نقيب المهندسين، إن انتصار أكتوبر كان لحظة فارقة في تاريخ مصر، استعادت خلالها الدولة ثقتها بقدراتها، وأكد الجيش المصري إرادته ومكانته، وأثبت المصريون أن ما يبدو مستحيلًا يمكن أن يصبح واقعًا حين تجتمع الإرادة والعلم والتخطيط والبطولة.
وأضاف أن حرب أكتوبر لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت برهانًا على أن التفوق لا يقاس بما يمتلكه العدو من إمكانات، وإنما بقدرة الإنسان المصري على التفكير والتخطيط والمبادرة، والإيمان بقضيته والاستعداد للتضحية من أجلها.
وأوضح عبدالغني، أن المهندسين المصريين خاضوا معركة شديدة الخصوصية، تكاملت فيها المعرفة الهندسية مع متطلبات القتال، وتكامل دورهم مع أدوار أسلحة القوات المسلحة المختلفة قبل الحرب وأثناءها، لتصبح الأعمال الهندسية جزءًا لا يتجزأ من نجاح الخطة العسكرية.
وأشار إلى أن هذه الخبرة كانت حصيلة تراكم طويل من العمل والتعلم والاستفادة من التجارب السابقة، مؤكدًا أن اجتماع العلم والخبرة والتنظيم يصنع إنجازات يبقى أثرها في التاريخ.
وشدد نقيب المهندسين على أن دور المهندس المصري في صناعة النصر تجلى في ثلاثة إنجازات رئيسية؛ أولها بناء حائط الصواريخ، الذي استشهد في سبيل إنجازه عدد من المهندسين والعمال العسكريين والمدنيين، وأسهم في حماية القوات المصرية أثناء العبور من هجمات الطيران الإسرائيلي.
أما الإنجاز الثاني، فتمثل في دور المهندسين وسلاح المهندسين في إبطال مفعول خزانات الوقود التي وضعها العدو لإشعال مياه قناة السويس ومنع القوات المصرية من العبور، فيما كان الإنجاز الثالث إزالة الساتر الترابي الذي أقامه جيش الاحتلال على طول خط بارليف، باستخدام تقنية التجريف بالمياه، وفق الاقتراح الهندسي الذي قدمه اللواء المهندس باقي زكي يوسف، مستفيدًا من خبرته في مشروع السد العالي.
وأكد عبدالغني، أن فكرة باقي زكي يوسف مثلت نموذجًا استثنائيًا لقدرة المهندس المصري على ابتكار الحلول العملية للتحديات العسكرية المعقدة، مشيدًا بما قدمه الراحل من إسهام بارز في تحقيق انتصار أكتوبر.
وأضاف أن الانتصار كان ثمرة تكامل جهود الشعب والدولة ومؤسساتها والقوات المسلحة بمختلف أسلحتها، إلى جانب العقول المصرية التي سخرت علمها وخبرتها لاستعادة الأرض والكرامة الوطنية.
وأكد نقيب المهندسين أن استعادة ذكرى أكتوبر لا ينبغي أن تقتصر على الاحتفاء ببطولات الماضي، وإنما يجب أن تتحول إلى مسؤولية تجاه الحاضر والمستقبل، من خلال التمسك بالعلم وتطوير القدرات وبناء الإنسان والحفاظ على مؤسسات الدولة والاستعداد للتحديات.
وقال إن النقابة تدرك أن مسؤوليتها الوطنية لا تقتصر على الاحتفال بهذه الذكرى، بل تمتد إلى حماية المهنة وتطويرها ورفع كفاءة المهندس المصري، وتوفير الظروف التي تمكنه من المشاركة الفاعلة في مشروعات التنمية والبناء.
وأضاف أن المهندس الذي أسهم في عبور قناة السويس وإزالة الساتر الترابي وإنشاء الكباري وتهيئة أسباب النجاح العسكري، هو نفسه المهندس الذي تحتاج إليه مصر اليوم في مشروعات البنية الأساسية والطاقة والصناعة والتكنولوجيا والتحول الرقمي، وفي كل مجال يرتبط بقدرة الدولة على امتلاك قرارها وصياغة مستقبلها.
وشدد على أن تطوير التعليم الهندسي والتدريب المستمر والارتقاء بالمستوى المهني والحفاظ على مقدرات المهنة وربط المعرفة العلمية باحتياجات المجتمع وصون كرامة المهندس وحقوقه، ليست قضايا مهنية منفصلة عن القضايا الوطنية، وإنما تمثل جزءًا من معركة بناء الدولة وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات.
وأوضح عبدالغني، أن النقابة تخوض معركة أخرى لبناء المهندس المصري وتنمية مهاراته ومواهبه والحفاظ عليه، مع العمل على وضع تدرج وظيفي واضح له، مؤكدًا أن الحفاظ على مكانة المهندس المصري يمثل حفاظًا على أحد أهم مقومات القوة الوطنية.
وقال إن تطوير المهنة ليس مجرد استثمار في قدرة مصر على الاستمرار والتميز، بل مسؤولية مشتركة لضمان مهنة مصانة ومهندسين قادرين على العمل والابتكار، مؤكدًا ضرورة توفير فرص حقيقية للأجيال الجديدة من المهندسين للتعلم والتدريب والإبداع.
وفي سياق حديثه عن الدروس الوطنية لحرب أكتوبر، أكد عبدالغني أن معركة حماية الأمن القومي المصري ودعم الحقوق العربية المشروعة لم تنتهِ بانتهاء الحرب، مشددًا على موقفه الرافض للاحتلال الإسرائيلي والاعتداءات على الشعب الفلسطيني وانتهاك حقوقه.
وأشار إلى أن الاحتفال بانتصار أكتوبر يمثل مناسبة لاستحضار تضحيات المصريين والتأكيد على مواصلة العمل من أجل حماية الوطن وصون مقدراته، إلى جانب دعم الحقوق الفلسطينية والعربية المشروعة.
واختتم نقيب المهندسين كلمته بتوجيه التحية والتقدير إلى أبطال حرب أكتوبر ورجال القوات المسلحة وقيادات الهيئة الهندسية وضباطها ومهندسيها، وإلى كل مهندس مصري جعل من علمه وخبرته أداة للبناء والدفاع عن الوطن،
كما وجه التحية إلى أرواح الشهداء الذين قدموا حياتهم دفاعًا عن مصر، داعيًا الله أن يحفظ مصر وشعبها وجيشها ويديم عليها الأمن والاستقرار.
من جانبه، استعرض اللواء أركان حرب الدكتور سمير فرج، الخبير الاستراتيجي وأحد أبطال حرب أكتوبر، التحول التاريخي الذي شهدته مصر من تداعيات هزيمة عام 1967 إلى انتصار السادس من أكتوبر 1973، مسلطًا الضوء على أبرز المشاهد التي جسدت عزيمة الجيش المصري وقوته وإرادته.
وأكد فرج أن المهندسين العسكريين كان لهم دور عظيم في نجاح العبور، مشيرًا إلى أن فكرة اللواء المهندس باقي زكي يوسف أسهمت في تحطيم خط بارليف، الذي مثل أحد أبرز التحديات الهندسية أمام القوات المسلحة المصرية.
وأوضح أن التخطيط لعبور قناة السويس اعتمد على تنظيم دقيق للقوات وموجات العبور، مشيدًا بدور الفريق سعد الشاذلي في التخطيط للعملية العسكرية، وما تضمنته من ترتيبات لتحقيق المفاجأة وتجاوز التحصينات الإسرائيلية.
وتناول فرج دور القوات البحرية المصرية في إغلاق مضيق باب المندب، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة استهدفت قطع إمدادات البترول التي كانت تصل إلى إسرائيل من إيران، بما شكل ضغطًا على قدرتها على مواصلة العمليات العسكرية.
كما استعاد بعض المشاهد التي رصدتها أجهزة المخابرات المصرية خلال الساعات الأولى للحرب، مشيرًا إلى رسالة إسرائيلية مشفرة تضمنت تحذيرات للطيارين الإسرائيليين من الاقتراب من قناة السويس لمسافة 15 كيلومترًا، تفاديًا للصواريخ المصرية، معتبرًا ذلك مؤشرًا مبكرًا على فاعلية الدفاعات المصرية.
وتطرق الخبير الاستراتيجي إلى التهديدات المرتبطة باحتمال استخدام إسرائيل أسلحة نووية لوقف تقدم القوات المصرية، موضحًا أن الولايات المتحدة تدخلت لثني تل أبيب عن هذا الخيار، مقابل تقديم دعم عسكري عبر جسر جوي.
وأشاد فرج بأداء القوات الجوية المصرية خلال الحرب، مشيرًا إلى ما وصفه بكفاءة إدارة المعارك الجوية، كما تناول دور الرئيس الراحل محمد أنور السادات والمخابرات المصرية في خداع إسرائيل والولايات المتحدة، وتحقيق عنصر المفاجأة الذي كان من أبرز عوامل نجاح حرب أكتوبر.
واختتم محاضرته بعرض مشاهد من فيلم «جولدا»، الذي تناول الأيام الثلاثة عشر الأولى من حرب أكتوبر، وردود الفعل داخل إسرائيل خلال المواجهة، وصولًا إلى قرار وقف إطلاق النار في 22 أكتوبر 1973.
وشهدت الاحتفالية تكريم أبطال من حرب أكتوبر المجيدة، حيث سلم نقيب المهندسين درع النقابة للمكرمين، تقديرًا لبطولاتهم وتضحياتهم وما قدموه من إسهامات في تاريخ العسكرية المصرية.
وضمت قائمة المكرمين عددًا من القيادات العسكرية وأبطال الاستطلاع والصاعقة والمهندسين العسكريين، من بينهم اللواء أركان حرب الدكتور سمير فرج، واسم الشهيد اللواء المهندس أحمد حمدي، والفريق مجدي شعراوي، واللواء المهندس حسين مسعود، واللواء أركان حرب محمد نادر عبدالوهاب، واللواء المهندس طارق المهدي، واللواء المهندس مصطفى هاشم، واللواء الطيار سامح عطية، واللواء الطيار سمير عزيز ميخائيل، واللواء الدكتور المهندس معتز الشرقاوي.
كما شملت قائمة المكرمين اللواء المهندس عبد الرحمن شريف، واللواء الدكتور المهندس عابد خطاب، واللواء أركان حرب مجدي أحمد شحاتة، واللواء المهندس محمد ربيع، واللواء محمد نصر الدين سلامة، والدكتور محمد نور، واسم الشهيد المقدم حسن محمد عبدالخالق، والشهيد الملازم أول المهندس عبد الرحمن دراهم، والجندي المقاتل السيد صابر عبدالجواد، والجندي المقاتل محمد عبدالحفيظ تركي.
واختُتمت فعاليات الاحتفالية بحفل موسيقي غنائي وطني بقيادة المايسترو رأفت الدمرداش، في أجواء استحضرت بطولات أكتوبر وتضحيات أبطالها، وجددت التأكيد على أهمية الحفاظ على إرث النصر ومواصلة مسيرة البناء والتنمية.