هايدي صبري نشر في: الأحد 18 أكتوبر 2026 - 3:59 م | آخر تحديث: الأحد 18 أكتوبر 2026 - 3:59 م
تحولت بلدية مدينة ليموج الفرنسية، التي يتوجها برج الساعة التاريخي المشيد منذ افتتاح المبنى عام 1883 ويعد أحد أبرز الرموز المعمارية لهوية المدينة، إلى هيكل مدمر بعد أن التهمتها النيران خلال احتجاجات ضد غلاء المعيشة.
واعتبرت صحيفة "لوموند" الفرنسية أن حادث "ليموج" بمثابة صدمة، فيما وصفته السلطات بأنه هجوم منظم أفضى إلى انهيار السقف وسقوط البرج، كما فتحت النيابة العامة الفرنسية تحقيقًا بتهمة تدمير ممتلكات عامة باستخدام وسائل خطرة في إطار جماعة منظمة.
ورغم أن الواجهة الخارجية للمبنى لا تزال قائمة، فإن الدخان ظل يتصاعد صباح الأحد من إحدى النوافذ، بينما لم يبق من داخل مقر البلدية، الذي احترق في اليوم السابق، سوى آثار الدمار.
وتجمع عشرات المارة أمام المبنى لالتقاط صور للمشهد بعد أن تعرض هذا الصرح، الذي افتتح عام 1883 ويشكل أحد أهم معالم وسط مدينة ليموج، لأكبر أضرار في تاريخه الحديث.
وأكدت السلطات أن الجزء التاريخي من المبنى دُمر بالكامل تقريبًا من الداخل، بما في ذلك مكاتب الأحوال المدنية، في حين نجحت فرق الإطفاء في إنقاذ الجزء الحديث الواقع في الخلف، والذي يضم المكاتب الإدارية.
كما انهار السقف بالكامل، وسقط برج الجرس والساعة (Beffroi) الذي كان يعلو المبنى، ليصبح المبنى أشبه بقوقعة فارغة، بينما بدت عبر النوافذ المحطمة أجزاء من الهيكل الخشبي متناثرة على الأرض، بحسب صحيفة "لوفيجارو" الفرنسية.
من جهتها، قالت صحيفة "أكيواتين أونلاين" المحلية الفرنسية، إن مبنى بلدية ليموج الفرنسية، الذي افتتح عام 1883، يعد أحد أبرز الشواهد المعمارية على مرحلة الجمهورية الفرنسية الثالثة، إذ تميز بتصميم يجمع بين طرز معمارية متعددة، من بينها طراز عصر النهضة الجديد والتأثيرات الكلاسيكية ولمسات من طراز لويس الثالث عشر.
وأوضحت الصحيفة الفرنسية أن قيمته لم تقتصر على وظيفته الإدارية، بل مثّل واجهة للحرف الفنية التي اشتهرت بها المدينة، ولا سيما صناعة الخزف والمينا والمشغولات الذهبية.
وزينت واجهته بتمثالين رمزيين للنحات توني نويل يجسدان فنّي المينا والصياغة، إلى جانب أربع لوحات فسيفسائية أنجزتها دار فاكينا الإيطالية، وتصور شخصيات تاريخية بارزة، فيما تزيّن بهوه اثنا عشر شعارًا من الخزف المطلي بالمينا من إنتاج دار هافيلاند الشهيرة.
ويحتضن المبنى برجًا مدنيًا يعرف باسم "الكامبانيل"، وهو برج يبلغ ارتفاعه 43 مترًا، كان يضم الجرس الجمهوري ويشكل أعلى نقطة في المبنى وأحد أبرز معالمه البصرية في المشهد العمراني للمدينة.
وتعود الأهمية التاريخية للمبنى أيضًا إلى موقعه، الذي يُعتقد أنه يشغل جزءًا من موضع المنتدى القديم لمدينة أوجوستوريتوم، الاسم الروماني القديم لليموج.
وصنف المبنى معلمًا تاريخيًا في فرنسا عام 1975، وفقًا للنص المنشور، بما يعكس قيمته التراثية والمعمارية، ومن ثم، فإن احتراقه وانهيار برجه في 17 أكتوبر 2026 لا يمثلان خسارة لمقر إداري فحسب، بل ضربة لذاكرة المدينة وإرثها الفني والتاريخي المتراكم عبر أكثر من قرن.
وخيمت مشاعر الحزن والصدمة على سكان ليموج الذين قصدوا موقع الحريق.
ونقلت صحيفة "لوفيجارو" الفرنسية عن جان-لوي، وهو متقاعد من سكان المدينة قوله: "تزوج أبنائي هنا. الأمر مؤلم للغاية. يمكن للناس أن يطالبوا بحقوقهم دون تدمير كل شيء. ما حدث عنف لا يوصف".
وأضافت إحدى السكان: "أنه كابوس. كان من الممكن أن يسقط قتلى. متى سيتوقف هذا؟"
وشارك نحو خمسة آلاف شخص في مظاهرة السبت احتجاجًا على غلاء المعيشة، بينهم نحو 700 شخص وصفتهم السلطات بأنهم متطرفون وعنيفون للغاية.
وبدأت أولى المواجهات قرب الطريق السريع A20، قبل أن تمتد إلى المدينة.
وقال محافظ إقليم أوت-فيين، موريس بارات، إن سائقين تعرضوا لاعتداءات مجانية، وتحطمت نوافذ سيارات، كما وقعت حوادث سرقة سيارات بالقوة (Carjacking) استمرت حتى ساعات الليل.
واتهم رئيس بلدية ليموج، غيوم غيران، المنتمي لحزب الجمهوريين، الشرطة الوطنية بعدم امتلاك الوسائل الكافية لاحتواء أعمال الشغب.
وأوضح أن قوات الأمن تمكنت في البداية من مرافقة المظاهرة، لكنها فقدت السيطرة عندما نفدت قنابل تفريق الحشود، ما سمح للعناصر الأكثر تطرفًا بالانتشار داخل المدينة.
وقال رئيس البلدية إن الشرطة "افتقرت إلى الإمكانات وتراجعت أمام المخربين"، مطالبًا الحكومة بإطلاق خطة استثنائية وتمويل ضخم لإعادة بناء البلدية.
كما هاجم السلطات المركزية قائلًا: "الدولة تركت عناصر الشرطة الوطنية يواجهون حشودًا متوحشة وحدهم."
في المقابل، أكد المحافظ أن جميع القوات المتاحة، بما فيها تعزيزات الدرك التي وصلت منذ منتصف النهار، شاركت في تأمين المدينة.
ومع وصول قسم من المحتجين إلى مقر البلدية مساء السبت، حاولت الشرطة البلدية التصدي لهم، لكن سيارتها أُحرقت.
وحطم مخربون النوافذ قبل إشعال النار داخل المبنى.
وروى رئيس البلدية أن المهاجمين هددوا حراس المبنى، الذين يتقاضى كل منهم نحو 1500 يورو شهريًا، قائلين لهم: "سنقتلك."
وأعرب بعض المشاركين في الاحتجاجات عن استيائهم مما حدث. وقال الطالب الثانوي جوليان، الذي عاد إلى المكان صباح الأحد: "بسبب أشخاص كهؤلاء لن يستمع أحد إلى مطالبنا. هم لا يهتمون بقضيتنا، بل يريدون فقط إلحاق الضرر".
أما الطالبة ماري فقالت وهي تقف أمام أنقاض البلدية: "أشعر بالذهول. كيف وصلنا إلى هذا؟".
وشدد محافظ الإقليم على أن ما جرى لم يكن تخريبًا عشوائيًا. وقال إن هناك أشخاصًا كانوا يوجهون الحشود ويصدرون التعليمات، قبل أن تتدفق مجموعات منظمة إلى الأمام، بينما استغل آخرون الفوضى لنهب المتاجر.
وأضاف رئيس البلدية أن المهاجمين استخدموا وسائل غير اعتيادية خلال المواجهات الأولى قرب الطريق السريع A20.
وقال: "أُلقيت عجلات ضخمة على قوات الأمن، واستخدمت كباشات اقتحام تزن نحو 200 كيلوجرام. هذه المعدات لم تأتِ من الأشجار ولا تُحمل في حقيبة ظهر. كل شيء كان منظمًا بالكامل."
وأعلنت نيابة ليموج فتح تحقيق بتهمة تدمير ممتلكات باستخدام وسائل خطرة ضمن جماعة منظمة.
وأوضحت المدعية العامة، إيميلي أبرانتيس، أن 17 شخصًا كانوا رهن الاحتجاز صباح الأحد، بينهم سبعة قاصرين، بعد تنفيذ عدد كبير من عمليات التوقيف، كما أُعلن عن تنظيم مسيرة يشارك فيها مسؤولون منتخبون في المدينة مساء الأحد، تضامنًا مع ليموج بعد الكارثة التي أصابت أحد أهم مبانيها التاريخية.