فهد أبو الفضل نشر في: الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 7:17 م | آخر تحديث: الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 7:17 م
نشرت وزارة الأوقاف نصَّ خطبة الجمعة الموافق ١٦ أكتوبر ٢٠٢٦م والمقالاتِ التابعةَ لها عبر منصتها الرقمية بعنوان «الأمنُ الفكري..استقرارٌ مجتمعيٌّ ووطنيٌّ» موضحة أن الهدف المراد توصيله إلى جمهور المسجد: "بيانُ مدى عنايةِ الإسلامِ بتحقيقِ الأمنِ المجتمعي، وخاصةً ما يتعلقُ منه بالجانبِ العقليِّ والفكري، لما له من أثرٍ عظيمٍ في حمايةِ المجتمعِ وسلامةِ واستقرارِ الوطن.
وجاءت الخطبة الأولى على النحو التالي:الحمدُ للهِ الذي شرَّفَنا بالإسلامِ، وهدانا لمعالمِ الإيمانِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، جعلَ العقولَ مناطَ التكليفِ، ومستودعَ الفهمِ السديدِ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، المصطفى الهادي البشيرِ، والناصحِ الأمينِ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وصحبِهِ ومن تبعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ، أمَّا بعدُ، فيا عبدَ اللهِ:
اعلمْ أيها المكرَّمُ أنَّ حمايةَ العقولِ وصيانةَ الأفكارِ من التضليلِ والانحرافِ هي الحصنُ المنيعُ والركيزةُ الكبرى لحفظِ الهُويةِ واستقرارِ الوطنِ؛ فالأمنُ الفكريُّ هو الأساسُ الذي تتكسَّرُ على صخرتِهِ كلُّ الأفكارِ الهدَّامةِ والشائعاتِ المغلوطةِ، ومن هنا كان لزامًا علينا أنْ نتأمَّلَ في مدى عنايةِ الإسلامِ الحنيفِ بهذا الجانبِ العظيمِ، وضرورةِ تضافرِ جهودِ الأمةِ ومؤسساتِها لحمايةِ شبابِها وصيانةِ مجتمعِها، لتظلَّ الأوطانُ عامرةً بالوعيِ، محفوفةً بالأمنِ والسلامِ؛ وقد أرشدَ النبيُّ (صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ) إلى التمسُّكِ بأصولِ الهدايةِ ومصادرِها الصحيحةِ، كما حذَّرَ من الغلوِّ والانحرافِ بقولِهِ: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ؛ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ»، كي ننعَمَ بالأمنِ، مصداقًا لقولِهِ تعالى: {ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَلَمۡ یَلۡبِسُوۤا۟ إِیمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُو۟لَٰۤئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ}.
وتأمَّلْ نعمةَ الوطنِ، وكيف قرنَ ربُّ العزةِ والجلالِ بينَ الأمنِ والعبادةِ، ممتنًا على عبادهِ بنعمةِ الأمنِ، فقالَ سبحانَهُ: {فَلۡیَعۡبُدُوا۟ رَبَّ هَٰذَا ٱلۡبَیۡتِ ٣ ٱلَّذِیۤ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعࣲ وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۭ}، ولا شكَّ أنَّ الأمنَ الفكريَّ والعقليَّ هو التجسيدُ الأعظمُ لهذا المعنى، إذْ بهِ تسلمُ القلوبُ من الغلوِّ والتطرُّفِ، وتستقيمُ النفوسُ على منهجِ الوسطيةِ والاعتدالِ؛ فاستشعرْ قدرَ نعمةِ الأمنِ الفكريِّ في وطنِكَ، واحفظْ عقلَكَ وفكرَكَ، وأدِّ حقَّ هذا الوطنِ بالوعيِ واليقظةِ والعملِ النافعِ، وقد حذَّرَ النبيُّ (صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ) من تصدُّرِ غيرِ المؤهَّلِينَ وما يترتَّبُ عليهِ من إضلالِ الناسِ بقولِهِ (صلى الله عليه وسلم): «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا».
وتيقَّنْ أنَّكَ حينَ تحافظُ على أمنِ وطنِكَ الفكريِّ، وتصونُ عقولَ أبنائِهِ من الانحرافِ والفُرقةِ، وتدفعُ عنهُ شبحَ التطرُّفِ والتشدُّدِ، فإنَّكَ بذلكَ تكونُ قد حقَّقتَ مقصدًا عظيمًا من مقاصدِ الشرعِ الشريفِ؛ فالحفاظُ على العقولِ وصيانتُها من الضرورياتِ الكبرى، ولا يمكنُ أنْ تُصانَ الضرورياتُ وتُحفَظَ مصالحُ الأوطانِ في مجتمعٍ تمزِّقُهُ الأفكارُ المنحرفةُ أو تعبثُ بعقولِ أبنائِهِ الشائعاتُ المغرضةُ؛ فاستقرارُ الفكرِ هو السياجُ الحقيقيُّ لاستقرارِ الأوطانِ وبناءِ الإنسانِ، مع الحرصِ على استقلالِ الشخصيةِ المسلمةِ وعدمِ تبعيتِها العمياءِ، استهداءً بقولِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً، تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاؤُوا فَلَا تَظْلِمُوا»، كما حذَّرَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ من الوقوعِ في براثنِ الفتنِ التي تتسلَّلُ إلى القلوبِ، فقالَ: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: قَلْبٍ أَبْيَضَ مِثْلَ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَقَلْبٍ أَسْوَدَ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ»، لذا أمرنا ربُّنا بالائتلافِ وعدمِ الاختلافِ، فقالَ جلَّ شأنُهُ: {وَٱعۡتَصِمُوا۟ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِیعࣰا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ۚ}.
واعلم أنَّ بناءَ الأمنِ الفكريِّ يبدأُ من الأسرةِ الرشيدةِ والمؤسساتِ التربويةِ الواعيةِ: لكي تغرسَ في نفوسِ الناشئةِ حبَّ الوطنِ والانتماءَ الصادقَ إليهِ، وتفتحَ عيونَهم على معاني الإعمارِ والإحسانِ، فالبيتُ المسلمُ هو المحضنُ الأولُ الذي تتربَّى فيهِ الضمائرُ، وتستقيمُ بهِ الفطرةُ، وتُصانُ الهُويةُ من رياحِ الإفراطِ والتفريطِ، وتأمَّلْ وصيتَهُ (صلى اللهُ عليهِ وسلمَ) الدافئةَ لابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما وهو على راحلتِهِ: «يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَب.
وجاء الخطبة الثانية على النحو التالي:
الحمدُ للهِ على إحسانِهِ، والشكرُ لهُ على توفيقِهِ وامتنانِهِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، وبعدُ، فيا عبدَ اللهِ:
احرصْ على صناعةِ الوعيِ الرشيدِ؛ فهو الركيزةُ الأساسيةُ للحفاظِ على الوطنِ واستقرارِ المجتمعِ، فالأممُ لا تُبنى بالشعاراتِ الرنَّانةِ ولا بالأماني، بل تُشيَّدُ صروحُها بعقولٍ واعيةٍ تُدركُ حجمَ التحدياتِ، وتميِّزُ بينَ الغثِّ والسمينِ، وتضعُ الأمورَ في نصابِها، فالوعيُ الحقيقيُّ هو الذي يحمي الفردَ من الانجرافِ والانحرافِ، ويجعلُهُ طاقةَ بناءٍ وخيرٍ، فكنْ صاحبَ بصيرةٍ نافذةٍ وعقلٍ مستنيرٍ، فقيمةُ الحفاظِ على الوطنِ تبدأُ من وعيِ أبنائِهِ ويقظةِ ضمائرِهم، واعلمْ أنَّ الحكمةَ هيَ أنْ تحوِّلَ السلبياتِ إلى إيجابياتٍ، والضعفَ إلى قوةٍ، حتى يتحقَّقَ فيكَ قولُ ربِّكَ: {وَمَن یُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِیَ خَیۡرࣰا كَثِیرࣰاۗ وَمَا یَذَّكَّرُ إِلَّاۤ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَٰبِ}.
وكنْ مدركًا للواقعِ بحكمةٍ، وحافظْ على أمانةِ وطنِكَ؛ فالوطنُ الذي تنعمُ في خيراتِهِ وتأوي إلى ظلالِهِ ينتظرُ منكَ اليقظةَ والعملَ، وإنَّ من تمامِ الحكمةِ أنْ تدركَ أنَّ صناعةَ المستقبلِ لا تنبتُ في أرضِ اليأسِ، بل تُبنى بسواعدِ المخلصينَ، فكنْ لبنةَ صلاحٍ وبناءٍ في صرحِ هذا الوطنِ الأبيِّ، واجمعْ مَنْ حولَكَ على التراحمِ والتكاملِ، ولا تدعْ سبيلًا للمرجفينَ والمشوِّهينَ أنْ ينالوا من عزيمةِ وطنِكَ، وليظلَّ قلبُكَ وعقلُكَ موصولَيْنِ بمصلحةِ بلادِكَ، حافظًا لعهدِها، رافعًا لشأنِها، محسنًا لأهلِها، حتى تبقى عزيزةً شامخةً، مستشعرًا قولَ اللهِ سبحانَهُ وتعالى: {وَأَحۡسِنُوۤا۟ۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِینَ}.