الجمعة 09/أكتوبر/2026 - 10:17 ص
مع تصاعد أسعار الديزل، في بريطانيا تواجه شركات النقل بالشاحنات ضغوطا متزايدة لا تقتصر على ارتفاع تكاليف التشغيل، بل تمتد إلى تنامي سرقات الوقود من الشاحنات المتوقفة، ما يدفع الشركات إلى إنفاق المزيد على مواقف آمنة ومجهزة لحماية شحناتها ووقودها، ويضيف عبئاً جديداً على قطاع يعاني بالفعل من ارتفاع النفقات التشغيلية.
فقد كشفت شركة "ويلش جروب"، البريطانية المتخصصة في النقل بالشاحنات، عن تعرضها لسرقات مكثفة ومتصاعدة من عصابات تقوم بسرقة وقود الديزل من شاحناتها بقيمة وصلت في بعض حالات السرقة إلى 50 ألف جنيه إسترليني، في وقت يكافح فيه سائقو الشاحنات لمواجهة ازدياد سرقات الوقود، ولاسيما بعد أن حولت الأسعار المرتفعة وقود الديزل إلى ما يشبه "الذهب السائل".
وصرح رئيس الشركة، كريس ويلش، لصحيفة "التليجراف" بأن العديد من شركات النقل أبلغت عن زيادة في محاولات المجرمين لسرقة الوقود من الشاحنات المتوقفة، أو حتى من خزانات التخزين في الساحات، طمعاً في تحقيق مكاسب مالية كبيرة.
وذكر أحد أصحاب الأعمال أن هذا الوضع أجبره على إنفاق المزيد لضمان ركن السائقين لشاحناتهم في ساحات ومواقع مؤَمَنة، رغم أن نقص المرافق يعني أن هذه الأماكن ليست متاحة دائماً.
وتلفت الصحيفة إلى تلك الأحداث تأتي في وقت تواجه فيه شركات النقل بالفعل زيادات كبيرة في التكاليف، بعد أن أدت الأزمة الإيرانية إلى ارتفاع أسعار الديزل لمستويات قياسية جديدة، فيما يتم تحميل هذه التكاليف على تجار التجزئة، ما أثار تحذيرات من أن المستهلكين سيواجهون قريباً زيادات "كبيرة" في الأسعار داخل متاجر التجزئة أيضاً.
وقال مالك شركة "أوليفر توماس للنقل"، راسل أوليفر: "السرقة مشكلة هائلة. هناك المزيد من الشاحنات التي تتعرض لسرقة الديزل، كما تتعرض ساحات التخزين للاقتحام والسرقة أيضاً"، واعتبر أن "الديزل بات بمنزلة ’ذهب سائل’ في الوقت الراهن
وأضاف: "الديزل بمثابة ذهب سائل في الوقت الراهن. بالنسبة للمجرمين، بوسعهم الخروج للسرقة التقليدية، أو يمكنهم سرقة الديزل وتحقيق أرباح أكبر"، وتابع قائلاً: "الأمر مكلف؛ لأن بعض سائقيّ يفضلون التوقف في مساحات جانبية على الطرق أو في المناطق الصناعية الأكثر هدوءاً، لكن ذلك يجعلهم أكثر عرضة للخطر؛ لذا أضطر لدفع مبالغ كبيرة لكي يتمكنوا من ركن شاحناتهم في محطات توقف آمنة مخصصة للشاحنات بدلاً من ذلك".
وقالت شركة "نيو أوتوموتيف" الاستشارية المتخصصة في تحليلات الشحن، إن الفترة ما بين شهر يوليو ونهاية سبتمبر، ارتفع سعر الديزل بمقدار 35 بنساً للتر الواحد. وقد أدى ذلك إلى زيادة سنوية قدرها 3 آلاف و600 جنيه إسترليني في تكلفة تشغيل شاحنة نقل عادية، و9 آلاف و300 جنيه إسترليني لشاحنة مقطورة مخصصة للمسافات الطويلة.
وذكر رئيس شركة أوليفر للشحن، أن تكلفة ملء خزان إحدى شاحناته بالوقود قد قفزت من حوالي 450 جنيهاً إسترلينياً لتتراوح بين 800 و900 جنيه إسترليني منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران في فبراير.
من جانبه، أكد جاك باكستر، مدير العمليات في شركة "أوروبا"، وهي شركة نقل بري تعمل على مستوى أوروبا، أن تكاليف شركته قد ارتفعت أيضاً بنسبة تزيد عن 50 في المائة، وقال: "ليس لدينا خيار سوى تحميل هذه التكاليف على عملائنا. عادة ما تعمل شركات هذا القطاع بهوامش ربح تبلغ حوالي 3 في المائة فقط، لذا لا توجد هوامش مالية كافية لامتصاص زيادات في التكلفة بهذا الحجم".
وتابع باكستر تصريحاته قائلاً: "يبدو أن هذا القطاع يواجه أكبر قدر من الضغوط منذ الأزمة المالية عام 2008؛ إذ نشهد كل أسبوع شركات تدخل في إجراءات الإفلاس أو الحراسة القضائية"
تشير صحيفة "التليجراف" إلى أن ما يقرب من 95 في المائة من جميع السلع الموجودة في المتاجر البريطانية يتم توزيعها باستخدام وسائل نقل تعمل بالديزل، ما يعني أن ارتفاع الأسعار ينعكس بسرعة على المستهلك النهائي. وفي ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج بنسبة تقارب 8 في المائة، يتوقع محللون أن تشهد أسعار المواد الغذائية تضخماً بنسبة تتراوح بين 5 و6 في المائة خلال فصل الشتاء، ارتفاعاً من مستواها الحالي البالغ 1.3 في المائة.
وبيَّن محلل قطاع التجزئة في شركة "شور كابيتال"، كلايف بلاك، أن متاجر السوبر ماركت قد تحملت معظم الزيادات في التكاليف حتى الآن، وذلك تحت ضغوط سياسية مكثفة للحفاظ على انخفاض الأسعار، وفي ظل حركة تجارية هادئة نسبياً منذ فصل الصيف.
لكن بلاك استدرك قائلاً: "في اعتقادي، ما سيحدث على الأرجح هو أننا سنشهد أسعاراً أعلى في العام الجديد".
كانت شخصية بارزة في قطاع التجزئة قد صرحت بأن ارتفاع أسعار المواد الغذائية في مطلع العام المقبل بات أمراً حتمياً "ما لم ترجع أسعار النفط إلى مستواها الطبيعي البالغ 80 دولاراً للبرميل"؛ علماً بأن سعر "خام برنت" سجل 104 دولارات للبرميل يوم الخميس.
وأضاف المصدر أن ضعف المحاصيل وتأثير ظاهرة "النينو" على المحاصيل الزراعية حول العالم يسهمان أيضاً في رفع تكاليف الغذاء.
وقال كبير الاقتصاديين في "اتحاد التجزئة البريطاني"، هارفير ديلون، إن تكاليف التوزيع عادة ما تشكل عادة بين 10 و20 في المائة من أسعار المواد الغذائية، وتستغرق فترة تتراوح بين "6 و12 شهراً" حتى تنعكس آثارها على الأسعار النهائية، وأضاف: "قد نشهد زيادات كبيرة في الأسعار خلال الأشهر المقبلة، لتبلغ ذروتها في الربع الأول أو الثاني من العام القادم".
وتشير الصحيفة إلى أن بعض الشركات شرعت في الاتجاه نحو استخدام الشاحنات الكهربائية في محاولة لتخفيف وطأة ارتفاع أسعار الديزل.
وفي هذا السياق، قال المحلل في شركة "فولتيمبو"، المتخصصة في خدمات الشحن الكهربائي، سايمون سميث: "إن أسعار الديزل الحالية تغير الحسابات الاقتصادية؛ فلطالما قيل لشركات النقل إن التحول إلى المركبات الكهربائية يعني الاختيار بين القيام بالصواب وبين تحقيق الربح، لكن هذا الخيار الاخير بدأ يتلاشى".