آلاء يوسف نشر في: الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 12:19 م | آخر تحديث: الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 12:19 م
كشف المؤشر العالمي للفتوى (GFI)، التابع لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، عن تصدر قضايا الأسرة خريطة تساؤلات الجمهور خلال النصف الأول من عام 2026، مستحوذة على نحو 40% من إجمالي الفتاوى الواردة إلى دار الإفتاء.
يأتي ذلك في دراسة للمؤشر بعنوان «التحديات الأسرية وأثر المعالجة الإفتائية في تعزيز التماسك الأسري»، اعتمدت على تحليل مضمون عينة من تساؤلات الجمهور خلال الفترة من أول يناير وحتى نهاية يونيو 2026، ورصدت أبرز قضايا الأحوال الشخصية وأثر المعالجة الإفتائية في تعزيز الاستقرار الأسري.
وأوضحت الدراسة أن قضايا الأسرة توزعت بين الأحوال الشخصية والعلاقات الزوجية، والتحديات النفسية والاجتماعية، والضغوط الاقتصادية، والتحولات الرقمية المؤثرة على الحياة الأسرية، بما يعكس حجم التحديات التي تواجه الأسرة المصرية، ويبرز الدور الذي تؤديه دار الإفتاء في التعامل معها.
وأظهرت الدراسة أن تساؤلات الفتاوى المتعلقة بالطلاق والخلع بلغت 76% من إجمالي فتاوى الأحوال الشخصية خلال النصف الأول من العام، مقابل 14% لتساؤلات فتاوى الزواج، بفجوة تتجاوز 60% بقليل.
وأوضح المؤشر أن ارتفاع نسبة تساؤلات الطلاق والخلع يعكس دور دار الإفتاء باعتبارها ملاذًا آمنًا للناس وقت الاضطرابات الأسرية، إلى جانب قدرتها ورصيدها العلمي في ضبط الحقوق الشرعية للأسرة.
وفي المقابل، أشار إلى أن انخفاض نسبة تساؤلات الزواج قد يرتبط بأن العلاقات الزوجية في بداياتها تعتمد بصورة أكبر على التقاليد والعادات والأعراف.
وفسر المؤشر التباين الكبير بين تساؤلات الطلاق والزواج بأنه يعكس غلبة الطابع العلاجي على الطلب الإفتائي الموجه إلى دار الإفتاء، إذ يلجأ البعض إلى المؤسسة بعد وقوع الخلاف، بدلًا من اللجوء إليها في المراحل المبكرة للوقاية من النزاع.
وأشار، إلى أن دار الإفتاء استشعرت ذلك من قبل، وقدمت من خلال مركز الإرشاد الأسري ومنصة «سكن» ما يدعم أسس الأسرة المصرية ويحميها من التفكك، سواء في بدايات تأسيس الأسرة أو بعد وجودها فعليًا.
وأكد المؤشر أن السؤال عن وقوع الطلاق من عدمه قد يكون في بعض الحالات طلبًا للتحقق من أثر لفظ صدر في لحظة غضب أو تهديد، وليس بالضرورة تعبيرًا عن قرار مستقر بإنهاء الحياة الزوجية، مشيرًا إلى أن هذه النتيجة تقدم مؤشرات يمكن العمل عليها في برامج ومبادرات للتوعية والإصلاح.
•الغضب والتهديد والحلف بالطلاق
وكشفت قراءة وقائع الطلاق الواردة إلى دار الإفتاء عن تعدد السياقات التي يظهر فيها لفظ الطلاق، إذ قد يرد في سياق الغضب والانفعال، أو الحلف، أو التهديد، أو الضغط على أحد الزوجين، أو تعليق الطلاق على فعل مستقبلي.
وأبرزت الدراسة أهمية التفاصيل والملابسات في المعالجة الإفتائية، موضحة أن فهم القصد والظروف المحيطة بالتلفظ أصبح جزءًا أساسيًا من التعامل مع هذه الوقائع، خاصة عند وجود شك في اللفظ، أو عدد الطلقات، أو القصد، أو الحالة الانفعالية للزوج، أو تحقق الشرط الذي عُلِّق عليه الطلاق.
وأوضحت أن وقائع الطلاق لا تظهر بوصفها أحداثًا منفصلة عن السياق الأسري، وإنما تكشف في كثير من الحالات عن مسار تراكمي من المشكلات، بينها الخلافات الزوجية المتكررة، والغضب والانفعال، والتهديد والحلف بالطلاق، والضغوط المالية والأسرية، والغيرة والشك، والعنف وسوء المعاملة.
وأشارت إلى أن الخلاف الزوجي قد يبدأ بمشكلة يومية أو اختلاف في وجهات النظر، ثم يتراكم مع ضعف الحوار وغياب الحلول التوافقية، إلى أن يصل أحد الطرفين إلى استخدام الطلاق في لحظة انفعال.
كما يظهر الغضب باعتباره عاملًا متكررًا في بعض الوقائع، وهو ما يفسر كثرة الأسئلة المتعلقة بدرجة الانفعال ومدى الإدراك والقصد وقت التلفظ، بينما تكشف بعض الحالات عن حضور الغيرة والشك وفقدان الثقة، خاصة عندما تتحول الشكوك إلى اتهامات أو مراقبة أو تهديد.
ووضعت الدراسة العنف وسوء المعاملة ضمن السياقات الأكثر خطورة المرتبطة بوقائع الطلاق؛ إذ يتحول النزاع في هذه الحالات من مجرد خلاف بين زوجين إلى مسألة تمس الأمان الأسري وسلامة أفراد الأسرة.
وأكد المؤشر، أن معالجة هذه الحالات تتجاوز سؤال «هل وقع الطلاق؟» إلى التعامل مع أسباب النزاع، وبيان الموقف الشرعي من الإيذاء والعنف، والعمل على حماية أفراد الأسرة، وتوجيه الأطراف إلى الوسائل المشروعة والآمنة لمعالجة المشكلة.
وخلصت الدراسة إلى أن الفتوى الأسرية تؤدي وظيفة تتجاوز الإجابة الفقهية المجردة إلى مساحة الإصلاح والوقاية وتصحيح المفاهيم، بما يضيف بعدًا دعويًا إلى البعد الفقهي لعمل المفتي.
•الرجال الأكثر طلبًا للفتوى الأسرية
وعلى المستوى الديموغرافي، أظهرت الدراسة أن الذكور يمثلون 71% من إجمالي المستفتين في القضايا الأسرية مقابل 29% للنساء، وترتبط هذه النسبة بحضور قضايا مثل الطلاق والرجعة والنفقة والحقوق والواجبات الزوجية ضمن أكثر الموضوعات طلبًا.
كما استحوذت الفئتان العمريتان في الثلاثينيات والأربعينيات على 62% من إجمالي العينة، وهي مرحلة تتزامن مع ارتفاع المسئوليات الزوجية وتربية الأبناء وإدارة الأعباء الاقتصادية والاجتماعية.
وبلغ متوسط عمر المستفتين في قضايا أحكام الأسرة والزواج نحو 41.3 عامًا، بما يشير إلى أن الكتلة الرئيسية من المستفتين تنتمي إلى مرحلة منتصف العمر، وما يرتبط بها من قضايا الزواج والطلاق والنفقة والحضانة وغيرها.
وأوضحت الدراسة أن ارتفاع نسبة الذكور يرتبط بطبيعة القضايا الأسرية ذاتها، إذ يكون الرجل طرفًا رئيسيًا في كثير من المسائل، وعلى رأسها الطلاق وإجراءاته وآثاره، بينما يؤكد استمرار استفتاءات النساء اهتمامهن بالحصول على الفتوى الشرعية في القضايا التي تمس حقوقهن واستقرار الأسرة، بما يعكس تطورًا في الوعي الديني والقانوني لدى المرأة.
وأظهرت الدراسة اختلافًا واضحًا بين موضوعات تساؤلات الذكور والإناث؛ إذ استحوذت فتاوى الطلاق على 50% من إجمالي تساؤلات الذكور في القضايا الأسرية، بما يعكس حضور النزاعات الأسرية باعتبارها القضية الأكثر طلبًا لديهم.
وفي المقابل، تصدرت الظواهر والمشكلات الاجتماعية والنفسية قائمة اهتمامات الإناث، بنسبة 20% من إجمالي تساؤلاتهن في القضايا الأسرية.
وتكشف المقارنة أن الذكور يميلون بدرجة أكبر إلى طلب الفتوى في النزاعات الزوجية، ولا سيما الطلاق والفسخ، بينما تتجه الإناث بصورة أكبر نحو المشكلات الاجتماعية والنفسية والقضايا الأسرية الشاملة.
وأشار المؤشر إلى أهمية توجيه البرامج التوعوية والإرشادية وفق الخصائص النوعية للمستفتين، بما يشمل تكثيف الرسائل المتعلقة بالمسؤوليات الأسرية وأحكام الطلاق وحقوق الزوجة والأبناء وآليات الحفاظ على استقرار الأسرة، إلى جانب مواصلة المبادرات الموجهة للمرأة في مجالات الوعي بالحقوق والواجبات الشرعية والإرشاد الأسري وسبل معالجة الخلافات الزوجية وفق الضوابط الشرعية.
وكشفت الدراسة عن تعدد قنوات التعامل مع القضايا الأسرية داخل دار الإفتاء المصرية، حيث تصدرت الفتوى الشفوية القائمة، إلى جانب إدارات الإرشاد الأسري، واللجنة العليا لفتاوى الأحوال الشخصية وفض النزاع، ووحدة الحوار.
وأوضح المؤشر أن تصدر الإفتاء الشفهي في قضايا الأسرة يرجع إلى أهمية الاستماع وتصوير وتكييف المسائل قبل بيان الحكم الشرعي فيها، لما لذلك من مردود مهم على واقع الأسرة والمجتمع.
وأشار إلى أن تنوع قنوات التعامل يعكس انتقال المعالجة من مجرد الإجابة عن السؤال إلى منظومة أوسع تشمل الإرشاد والإصلاح والتعامل مع القضايا المركبة؛ فالفتوى الشفوية تتيح الاستماع إلى تفاصيل الواقعة، بينما تتولى الجهات المتخصصة القضايا التي تحتاج إلى مزيد من الدراسة، ويؤدي الإرشاد الأسري دورًا في محاولة احتواء النزاع قبل تفاقمه.
وأكد المؤشر أهمية تعزيز الجانب الوقائي في العمل الإفتائي، بحيث لا يقتصر حضور المؤسسة على مرحلة ما بعد التلفظ بالطلاق، وإنما يمتد إلى التوعية السابقة بالحقوق والواجبات الزوجية، وتأهيل المقبلين على الزواج، ونشر ثقافة الحوار، وتقديم الإرشاد الأسري المبكر.
وخلصت الدراسة إلى أن سؤال الطلاق ليس مجرد سؤال فقهي عن لفظ أو واقعة، وإنما قد يكون مدخلًا إلى أزمة أسرية أوسع تتداخل فيها عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية وسلوكية.
وأوضحت أن الحفاظ على تماسك الأسرة لا يبدأ فقط عند وقوع الأزمة، وإنما يتطلب بناء منظومة متكاملة للوقاية والتوعية والإرشاد والإصلاح، مشيرة إلى أن دار الإفتاء قطعت شوطًا كبيرًا في هذا المجال، خاصة من خلال دورات المقبلين على الزواج، ومركز الإرشاد الأسري، ومؤخرًا إطلاق منصة «سكن»، بما يؤكد أن دورها لا يتوقف عند تقديم الفتوى، وإنما يمتد إلى التوعية والتأهيل في موضوع يمس الأسرة والمجتمع.